وهم المترجمون لها لعباده المبينون لمراده.
فكانوا من هذه الحيثية كالواسطة بين الرب سبحانه، وبين عباده لما اختصهم الله به من ميراث النبوة.
وهذه منزلة جليلة، ورتبة جميلة لا تعادلها منزلة ولا تساويها مزية، فحق على كل مسلم أن يعترف لهم بأنهم أولياء الله سبحانه، وأنهم المبلغون عن الله وعن رسوله.
وأنهم القائمون مقام الرسل في تعريف عباد الله بشرائع الله عز وجل، إذا كانوا على الطريقة السوية، والمنهج القويم. متقيدين بقيد الكتاب والسنة مقتدين بالهدى المحمدي، مؤثرين لما في كتاب الله سبحانه، وفي سنة رسوله [صلى الله عليه وسلم] على زائف الرأي، وعاطل التقليد.
فهؤلاء هم العلماء المستحقون للولاية الربانية، والمزية الرحمانية، فمن عاداهم فقد استحق ما تضمنه هذا الحديث من حرب الله عز وجل له وإنزال عقوبته به، لأنه عادى أولياء الله، وتعرض لغضب الله عز وجل.
أسباب رسوخ العلماء العاملين في الولاية:
1 - ومعلوم أن الانتفاع بعلماء هذه الأمة فوق كل انتفاع، والخير الواصل منهم إلى غيرهم فوق كل خير، لأنهم يبينون ما شرعه الله سبحانه لعباده، ويرشدونهم إلى الحق الذي أمر الله سبحانه به. ويدفعونهم عن البدع التي يقع فيها من جهل الأحكام الشرعية، ويصاولون أعداء الدين الملحدين، والمبتدعين ويبينون للناس أنهم على ضلالة، وأن تمسكهم بتلك البدع إما عن جهل أو عن عناد، وأنهم ليس بأيديهم شيء من الدين إلا مجرد تشكيكات
يوقعون فيها المقصرين، ويجذبونهم إلى باطلهم.
2 - ومن أعظم فوائد علماء الدين لدين الله ولعباد الله أنهم يوضحون للناس الأحاديث الموضوعة المكذوبة على رسول الله كما فعله طوائف من الملحدة، والمبتدعة والزنادقة، ويرشدونهم إلى التمسك بما صح من السنة.
3 - وكذلك يوضحون للناس ما وقع من أهل الزيغ، والعناد من تفسير كتاب الله بأهويتهم وعلى ما يطابق ما هم فيه من البدعة. وذلك كثير جدا يجده الباحث عنه في تفاسير المبتدعة المحرفين لما أراد الله سبحانه، ولما فسره به رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ، وما فسره به الصحابة والتابعون ومن بعدهم من علماء الدين، وما تقتضيه اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم. فقد ضل كثير من العباد بتحريفات أهل الأهواء وتلاعبهم بالكتاب العزيز، ورده إلى ما قد دعوا إليه من الباطل المبين، والزيغ الواضح.
وكذلك ضل كثير من الناس بالأحاديث المكذوبة التي انتحلها المبطلون، وافتعلها المبتدعون.
4 - حمايتهم للأمة من التقليد:
وكذلك اغتر كثير من المقصرين بعلم الرأي، وآثروه على كتاب الله سبحانه، وعلى سنة رسوله [صلى الله عليه وسلم] ، وهما اللذان أمر الله سبحانه بالرد إليهما عند الاختلاف. قال الله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله وإلى الرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} ، والرد إلى الله سبحانه، هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرد إلى سنته بعد موته [صلى الله عليه وسلم] بلا خلاف في ذلك.
بل قد ذهب جمع من العلماء إلى أن أولى الأمر هم العلماء، ومنهم حبر الأمة عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، والحسن البصري، وأبو العالية، وعطاء بن أبي رباح، والضحاك.