فهذا الترك إما أن يكون لأمر يعتبر مثله شرعاً أو لا، فإن كان لأمر يعتبر فلا حرج فيه، إذ معناه أنه ترك ما يجوز تركه أو ما يطلب تركه، كالذى يحرم نفسه الطعام الفلانى من جهة أنه يضره فى جسمه أو عقله أو دينه وما أشبه ذلك، فلا مانع هنا من الترك، بل إن قلنا بطلب التداوى للمريض فإن الترك هنا مطلوب، وإن قلنا بإباحة التداوى، فالترك مباح.
وكذلك إذا ترك ما لا بأس به حذراً مما به البأس فذلك من أوصاف المتقين(1)، وكتارك المتشابه، حذراً من الوقوع فى الحرام واستبراءً للدين والعرض.
وإن كان الترك لغير ذلك، فإما أن يكون تديناً أو لا، فإن لم يكن تديناً فالتارك عابث بتحريمه الفعل أو بعزيمته على الترك، ولا يسمى هذا الترك بدعة إذ لا يدخل تحت لفظ الحد إلا على الطريقة الثانية القائلة: إن البدعة تدخل فى العادات. وأما على الطريقة الأولى فلا يدخل. لكن هذا التارك يصير عاصياً بتركه أو باعتقاده التحريم فيما أحل الله.
وأما إن كان الترك تديناً فهو الابتداع فى الدين على كلتا الطريقتين، إذ قد فرضنا الفعل جائزًا شرعًا فصار الترك المقصود معارضة للشارع فى شرع التحليل وفى مثله نزل قول الله تعالى: ﴿ ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ﴾ (2) فنهى أولاً عن تحريم الحلال. ثم جاءت الآية تشعر بأن ذلك اعتداءٌ لا يحبه الله. وسيأتى للآية تقرير إن شاء الله.
(1) ... هذا صحيح لأن على المسلم أن يستبرأ لدينه، ويسد الذرائع الموصلة إلى المحرم، أما حديث " لا يبلغ العبد أن يكون فى المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً لما به بأس" فهو ضعيف رواه الترمذى (2451)، والبيهقى فى الشعب، والطبرانى فى الكبير من حديث عطية السعدى، وابن ماجة (4215)، وضعفه الألبانى فى السنن، والجامع/6320.
(2) ... المائدة : 87.