تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا ثبت هذا، فأهل العلم أشرف الناس وأعظم منزلة بلا إشكال ولا نزاع، وإنما وقع الثناء فى الشريعة على أهل العلم من حيث اتصافهم بالعلم لا من جهة أخرى، ودل على ذلك وقوع الثناء عليهم مقيداً بالاتصاف به(1)، فهو إذاً العلة فى الثناء، ولولا ذلك الاتصاف، لم يكن لهم مزية على غيرهم.

ولذلك، إذا وقع النزاع فى مسألة شرعية، وجب ردها إلى الشريعة، حيث يثبت الحق فيها(2)، لقوله تعالى: ﴿ فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول ﴾ (3).

فإذاً، المكلف بأحكامها لا يخلو من أحد أمور ثلاثة:

(أحدها): أن يكون مجتهداً فيها، فحكمه ما أداه إليه اجتهاده فيها، لأن اجتهاده فى الأمور التى ليست دلالتها واضحة إنما يقع موقعه على فرض أن يكون ما ظهر له هو الأقرب إلى قصد الشارع والأولى بأدلة الشريعة، دون ما ظهر لغيره من المجتهدين، فيجب عليه اتباع ما هو الأقرب.

(والثانى): أن يكون مقلداً صرفاً خلياً من العلم الحاكم جملة، فلا بد له من قائد يقوده، وحاكم يحكم عليه، وعالم يقتدى به، ومعلوم أنه لا يقتدى به إلا من حيث هو عالم بالعلم الحاكم، والدليل على ذلك أنه لو علم أو غلب على ظنه أنه ليس من أهل ذلك العلم، لم يحِّل له اتباعه ولا الانقياد لحكمه، بل لا يصح أن يخطر بخاطر العامى ولا غيره تقليد الغير فى أمر مع علمه بأنه ليس من أهل ذلك الأمر، كما أنه لا يمكن أن يسلم المريض نفسه إلى أحد يعلم أنه ليس بطبيب، إلا أن يكون فاقد العقل.

(

(1) ... من ذلك قوله تعالى ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ وقوله ﴿ هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون ﴾ وقوله ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط ﴾ وأحاديث النبى - صلى الله عليه وسلم - كثيرة منها قوله (إن العلماء ورثة الأنبياء) وتقدم تخريجه.

(3) ... النساء: 59.

شرح تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٤٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٤٣٧