أن ها هنا نظراً لفظياً فى الحديثين هو من تمام الكلام فيه، وذلك أنه لما أخبر - صلى الله عليه وسلم - أن جميع الفرق فى النار إلا فرقة واحدة، وهى الجماعة(1) المفسرة فى الحديث الآخر، فجاء فى الرواية الأخرى السؤال عنها سؤال التعيين، فقالوا: من هى يا رسول الله؟ فأصل الجواب أن يقال: أنا وأصحابى ومن عمل مثل عملنا ... أو ما أشبه ذلك مما يعطى تعيين الفرقة: إما بالإشارة إليها، أو بوصف من أوصافها، إلا أن ذلك لم يقع، وإنما وقع فى الجواب تعيين الوصف لا تعيين الموصوف، فلذلك أتى بالتى تقتضى بظاهرها الوقوع على غير العاقل من الأوصاف وغيرها، والمراد هنا الأوصاف التى هو عليها - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضى الله عنهم، فلم يطابق السؤال الجواب فى اللفظ، والعذر عن هذا أن العرب لا تلتزم ذلك النوع إذا فهم المعنى، لأنهم لما سألوا عن تعيين الفرقة الناجية، بين لهم الوصف الذى به صارت ناجية، فقال: (ما أنا عليه وأصحابى)(2).
ومما جاء غير مطابق فى الظاهر، وهو فى المعنى مطابق: قول الله تعالى: ﴿ قل أؤنبئكم بخير من ذلكُم ﴾ (3)، فإن هذا الكلام معناه: هل أخبركم بما هو أفضل من متاع الدنيا؟ فكأنه قيل: نعم! أخبرنا، فقال الله تعالى: ﴿ للذين اتقوا عند ربهم جنات تجرى من تحتها الأنهار ... ﴾ (4)، أى: للذين اتقوا استقر لهم عند ربهم جنات تجرى من تحتها الأنهار ... الآية، فأعطى مضمون الكلام معنى الجواب على غير لفظه، وهذا التقرير على قول جماعة من المفسرين.
(1) ... تقدم تخريجه في المسألة الرابعة عشرة.
(2) ... تقدم تخريجه في المسألة الرابعة عشرة.
(3) ... آل عمران: 15.
(4) ... آل عمران: 15.