ويشهد لهذا التفسير استقراء أحوال الخلق من انقسامها إلى الأعلى والأدنى والأوسط، كالعلم والجهل، والشجاعة والجبن، والعدل والجور، والجود والبخل، والغنى والفقر، والعز والذل، وغير ذلك من الأحوال والأوصاف، فإنها تتردد ما بين الطرفين: فعالم فى أعلى درجات العلم، وآخر فى أدنى درجاته، وجاهل كذلك، وشجاع كذلك ... إلى سائرها، فكذلك سقوط البدع بالنفوس.
إلا أن فى ذكر النبى - صلى الله عليه وسلم - لها فائدة أخرى، وهى التحذير من مقاربتها ومقاربة أصحابها، وهى:
22- المسألة الثانية والعشرون
وبيان ذلك أن داء الكَلَب فيه ما يشبه العدوى، فإن أصل الكلب واقع بالكلب، ثم إذا عض ذلك الكلبُ أحداً، صار مثله، ولم يقدر على الانفصال منه فى الغالب إلا بالهلكة.
فكذلك المبتدع، إذا أورد على أحد رأيه وإشكاله، فقلما يسلم من غائلته، بل إما أن يقع معه فى مذهبه ويصير من شيعته، وإما أن يثبت فى قلبه شكاً يطمع فى الانفصال عنه فلا يقدر.
وقد أتى فى الآثار ما يدل على هذا المعنى، فإن السلف الصالح نهوا عن مجالستهم ومكالمتهم وكلام مكالمهم، وأغلظوا فى ذلك، وقد تقدم منه فى الباب الثانى آثار جمة.
ومن ذلك ما روى عن ابن مسعود، قال: من أحب أن يكرم دينه، فليعتزل مخالطة الشيطان ومجالسة أصحاب الأهواء، فإن مجالستهم ألصق من الجرب.
وعن حماد بن زيد، قال: لقينى سعيد بن جبير، فقال: ألم أرك مع طلق؟ قلت: بلى! فما له؟ قال: لا تجالسه، فإنه مرجئ.
وعن محمد بن واسع، قال: رأيت صفوان بن محرز وقرب منه شيبة، فرأهما يتجادلان، فرأيته قائماً ينفض ثيابه ويقول: إنما أنتم جُرب.
وعن الأوزاعى، قال: لا تكلموا صاحب بدعة من جدل، فيورث قلوبكم من فتنته.
فهذه آثار تنبهك على ما تقدمت إشارة الحديث إليه إن كان مقصوداً، والله أعلم.
تأثير كلام صاحب البدعة فى القلوب معلوم، وثم معنى آخر قد يكون من فوائد تنبيه الحديث بمثال داء الكلب، وهى:
23- المسألة الثالثة والعشرون