ويبعد أن يريد أن فى مطلق الأمة من يشرب تلك الأهواء، إذ كان يكون فى الكلام نوع من التداخل الذى لا فائدة فيه، فإذا بين أن المعنى أنه يخرج فى الأمة المفترقة بسبب الهوى من يتجارى به ذلك الهوى، استقام الكلام واتسق، وعند ذلك يُتصور الانقسام، وذلك بأن يكون فى الفرقة من يتجارى به الهوى كتجارى الكلب ومن لا يتجارى به ذلك المقدار، لأنه يصح أن يختلف التجارى، فمنه ما يكون فى الغاية حتى يخرج إلى الكفر أو يكاد، ومنه ما لا يكون كذلك.
فمن القسم الأول الخوارج، بشهادة الصادق المصدوق (رسول الله) - صلى الله عليه وسلم - ، حيث قال: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)(1).
ومن القسم الثانى أهل التحسين والتقبيح على الجملة، إذ لم يؤدهم عقلهم إلى ما تقدم.
ومنه ما ذهب إليه الظاهرية –على رأى من عدها من البدع- وما أشبه ذلك.
وذلك أنه يقول: من خرج عن الفرق ببدعته وإن كانت جزئية، فلا يخلو صاحبها من تجاريها فى قلبه وإشرابها له، لكن على قدرها، وبذلك أيضاً تدخل تحت ما تقدم من الأدلة على أن لا توبة له، لكن التجارى المشبه بالكلب لا يبلغه كل صاحب بدعة، إلا أنه يبقى وجه التفرقة بين من أشرب قلبه بدعة من البدع ذلك الإشراب، وبين من لم يبلغ ممن هو معدود فى الفرق، فإن الجميع متصفون بوصف الفرقة التى هى نتيجة العداوة والبغضاء.
وسبب التفريق بينهما –والله أعلم- أمران:
إما أن يقال: إن الذى أشربها من شأنه أن يدعو إلى بدعته، فيظهر بسببها المعاداة، والذى لم يشربها لا يدعو إليها، ولا ينتصب للدعاء إليها.
21- المسألة الحادية والعشرون
أن هذا الإشراب المشار إليه، هل يختص ببعض البدع دون بعض؟ أم لا يختص؟
وذلك أنه يمكن أن بعض البدع من شأنها أن تُشرب قلب صاحبها جداً، ومنها ما لا يكون كذلك، فالبدعة الفلانية مثلاً من شأنه أن تتجارى بصاحبها كما يتجارى الكلب بصاحبه، والبدعة الفلانية ليست كذلك.
(1) ... تقدم تخريجه: الصفحة السابقة.