تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الدليل الأول، فلا متعلق به، فإن أحسن الاتباع إلينا اتباع الأدلة الشرعية، وخصوصاً القرآن، فإن الله (تعالى) يقول: ﴿ الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابهاً ﴾ وجاء فى صحيح الحديث –خرجه مسلم-: أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال فى خطبته: (أما بعد، فأحسن الحديث كتاب الله)(1)، فيفتقر أصحاب الدليل أن يبينوا أن ميل الطباع أو أهواء النفوس مما أنزل إلينا، فضلاً عن أن يقول من أحسنه.

وقوله (تعالى): ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴾ الآية، يحتاج إلى بيان أن ميل النفوس يسمى قولا، وحينئذ ينظر على كونه أحسن القول كما تقدم، وهذا كله فاسد.

ثم إنا نعارض هذا الاستحسان بأن عقولنا تميل إلى إبطاله، وأنه ليس بحجة، وإنما الحجة الأدلة الشرعية المتلقاة من الشرع.

وأيضاً، فيلزم عليه استحسان العوام ومن ليس من أهل النظر إذا فرض أن الحكم يتبع مجرد ميل النفوس وهو الطباع، وذلك محال، للعلم بأن ذلك مضاد للشريعة، فضلاً عن أن يكون من أدلتها.

وأما الدليل الثانى، فلا حجة فيه من أوجه:

(أحدهما): أن ظاهره يدل على أن ما رآه المسلمون بجملتهم حسنا، فهو حسن، والأمة لا تجتمع على باطل، فاجتماعهم على حسن شىء يدل على حسنه شرعاً، لأن الإجماع يتضمن دليلاً شرعياً، فالحديث دليل عليكم لا لكم.

(والثانى): أنه خبر واحد فى مسألة قطعية، فلا يسمع.

(

(1) ... رواه ابن ماجة في المقدمة (46) وابن أبي عاصم في السنة (25) ولكنه ضعيف. ورواه البخاري (7277) من قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. وروى النسائي (3/58) بسند صحيح عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في صلاته بعد التشهد: أحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم. وراجع ص42 من هذا التهذيب.

شرح تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٣٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٣٥٥