تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال الله سبحانه في شأن عيسى عليه السلام ومن اتبعه: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ (1).

والرهبانية: بمعنى اعتزال الخلق في السياحة في الجبال، وإطراح الدنيا ولذاتها من النساء وغير ذلك، ومنه لزوم الصوامع والديارات - على ما كان عليه أمر النصارى قبل الإسلام - مع التزام العبادة، وعلى هذا التفسير جماعة من المفسرين.

ويحتمل أن يكون الاستثناء في قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ ﴾ متصلاً ومنفصلاً:

فإذا بنينا على الاتصال: فكأنه يقول: ما كتبناها عليهم إلا على هذا الوجه، الذي هو العمل بها ابتغاء رضوان الله، فالمعنى أنها مما كتبت عليهم -أي مما شرعت لهم- لكن بشرط قصد الرضوان. ﴿ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ﴾ : يريد أنهم تركوا رعايتها حين لم يؤمنوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو قول طائفة من المفسرين، لأن قصد الرضوان إذا كان شرطاً في العمل بما شرع لهم، فمن حقهم أن يتبعوا ذلك القصد، فإلى أين سار بهم ساروا، وإنما شرع لهم على شرط أنه إذا نُسخ بغيره رجعوا إلى ما أُحكم وتركوا ما نُسخ، وهو معنى ابتغاء الرضوان على الحقيقة، فإذا لم يفعلوا، وأصروا على الأول كان ذلك اتباعاً للهوى لا اتباعاً للمشروع، واتباع المشروع هو الذي يحصل به الرضوان، وقصد الرضوان بذلك.

قال تعالى: ﴿ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ ، فالذين آمنوا هم الذين اتبعوا الرهبانية ابتغاء رضوان الله، والفاسقون: هم الخارجون عن الدخول فيها بشرطها إذ لم يؤمنوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

(1) ... الحديد: 27.

شرح تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ١٩٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ١٩٥