تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولولا الغلو فى الدين والتكالب على نصر المذهب، والتهالك فى محبة المبتدع، لما وسع ذلك عقل أحد، ولكن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال (لتتبعُن سَنن مَن كان قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع ... ) الحديث(1).

فهؤلاء غلوا كما غلت النصارى فى عيسى عليه السلام، حيث قالوا ﴿ إن الله هُو المسيحُ ابنُ مريم ﴾ (2)، وفى الحديث: (لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، ولكن قولوا: عبد الله ورسوله)(3).

ومن تأمل هذه الأصناف، وجد لها من البدع فى فروع الشريعة كثيراً، لأن البدعة إذا دخلت فى الأصل، سهلت مداخلتها الفروع.

فصل

وأضعف هؤلاء احتجاجاً قوم استندوا فى أخذ الأعمال إلى المنامات، وأقبلوا وأعرضوا بسببها:

فيقولون: رأينا فلاناً الرجل الصالح، فقال لنا: اتركوا كذا، واعملوا كذا.

ويتفق مثل هذا كثيراً للمترسمين برسم التصوف، وربما قال بعضهم: رأيت النبى - صلى الله عليه وسلم - فى النوم، فقال لى كذا، وأمرنى بكذا، فيعمل بها، ويترك بها، معرضاً عن الحدود الموضوعة فى الشريعة.وهو خطأ، لأن الرؤيا من غير الأنبياء(4) لا يُحكم بها شرعاً على حال، إلا أن تُعرض على ما فى أيدينا من الأحكام الشرعيَّة، فإن سوغتها عُمِل بمقتضاها، وإلا، وجب تركها والإعراض عنها، وإنما فائدتها البشارة والنذارة خاصة، وأما استفادة الأحكام، فلا.

(1) ... رواه البخاري (7320) ومسلم (2669) من حديث أبي سعيد، والترمذي (2180) وابن أبي شيبة (7/479) من حديث أبي واقد الليثي، والحاكم (4/455) من حديث ابن عباس، وأحمد (5/340) والطبراني (6/186) من حديث سهل بن سعد، وانظر مجمع الزوائد (7/261).

(2) ... المائدة: 72.

(3) ... رواه البخاري (6830) والدارمي (2/320) وابن حبان (6239) وعبد الرزاق (5/441) من حديث ابن عباس.

(4) ... أى الرؤيا التى يراها غير النبى.

شرح تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ١٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ١٨٥