تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويغلب على الظنَّ أن من أقرَّ بالإسلام وبأنه يذمُّ تحريف الكلم عن مواضعه، لا يلجأ إليه صراحاً، إلا مع اشتباه يعرض له، أو جهل يصده عن الحق، مع هوى يعميه عن أخذ الدليل مأخذه، فيكون بذلك السبب مبتدعاً.

وبيان ذلك أن الدليل الشرعى إذا اقتضى أمراً فى الجملة مما يتعلَّق بالعبادات مثلاً، فأتى به المكلَّف فى الجملة أيضاً، كذكر الله والدعاء والنوافل المستحبات وما أشبهها مما يُعلم من الشارع فيها التوسعة، كان الدليل عاضداً لعلمه من جهتين: من جهَة معناه، ومن جهة عمل السلف الصالح به.

فإن أتى المكلف فى ذلك الأمر بكيفية مخصوصة أو زمان مخصوص أو مكان مخصوص أو مقارناً لعبادة مخصوصة، والتزم ذلك بحيث صار متخيّلا أن الكيفية أو الزمان أو المكان مقصود شرعاً من غير أن يدلَّ الدَّليل عليه، كان الدليل بمعزل عن ذلك المعنى المستدل عليه.

فإذا ندب الشرع مثلاً إلى ذكر الله، فالتزم قومّ الاجتماع عليه على لسان واحد وبصوتِ واحد، أو فى وقت معلوم مخصوص عن سائر الأوقات، لم يكن فى ندب الشرع ما يدلُّ على هذا التخصيص الملتَزم، بل فيه ما يدلُّ على خلافه، لأن التزام الأمور غير اللازمة شرعاً شأنها أن تُفْهِم التشريع. وخصوصاً مع من يقتدى به فى مجامع الناس كالمساجد، فإنها إذا ظهرت هذا الإظهار ووضعت فى المساجد كسائر الشعائر التى وضعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى المساجد وما أشبهها –كالأذان وصلاة العيدين والاستسقاء والكسوف-، فُهِمَ منها بلا شك أنها سنن، إذا لم تفهم منها الفرضية، فأحرى أن لا يتناولها الدَّليل المستدل به، فصارت من هذه الجهة بدعًا محدثة بذلك.

شرح تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ١٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ١٧٨