تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غضب الرسول من الشفاعة في حدود الله

وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: (أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ؟)، هذه امرأة مخزومية من بني مخزوم، وبنو مخزوم قبيلة عظيمة كبيرة من أهل الشرف من العرب من قريش، وكان العرب فيهم أهل شرف وفيهم أهل ضعة، فمثلًا: قبيلة طيء كانت مشهورة باللصوص، لكن قبيلة بني مخزوم كانوا من أعالي الناس، فهذه المرأة التي سرقت هي من بني مخزوم، فلما سرقت عرفوا أن الحد سيقام عليها وتقطع يدها وهي من هذه القبيلة الشريفة، فقالوا: نوسط أحدًا يقوم بالشفاعة عند النبي ﷺ، ثم قالوا: (من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ)، وكان زيد بن حارثة والد أسامة حب رسول الله ﷺ أيضًا، ورسول الله ﷺ هو الذي ربى الاثنين، فـ زيد كان عبدًا وأخذه النبي ﷺ وأعتقه وتبناه، فكان ينسب إليه ويقال: زيد بن محمد حتى نهى الله عز وجل عن ذلك فرجع اسمه زيد بن حارثة رضي الله تبارك وتعالى عنه، وزوج النبي ﷺ زيدًا بـ أم أيمن وأنجبت له أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنهم.

فلما سرقت المخزومية رأوا أن أسامة له مع النبي ﷺ علاقة قوية، والنبي ﷺ يحبه، فإذا جاءه وشفع فإنه سيقبل منه الشفاعة، فذهبوا إلى أسامة، وفعلًا ذهب أسامة إلى النبي ﷺ وشفع للمرأة، فغضب النبي ﷺ وقال: (أتشفع في حد من حدود الله تعالى؟! ثم قام فاختطب صلوات الله وسلامه عليه، ثم قال: إنما أهلك من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد).

أي: إنما أهلك الله السابقين بظلمهم، والظلم ظلمات في الدنيا وفي الآخرة، فيستحق الإنسان العقوبة على ظلمه، وهؤلاء ظلموا وغيروا وبدلوا شرع الله سبحانه، فمن كان فيهم شريفًا وسرق تركوه، ومن كان فيهم ضعيفًا وسرق أقاموا عليه حد الله عز وجل، فأهلكهم الله سبحانه بذلك.

ثم قال ﷺ: (وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).

فيقسم النبي ﷺ بقوله: (وايم الله)، وأصلها: وايمن الله، ايمن جمع يمين وهي أيمان الله، يعني: أن النبي ﷺ أقسم ورخم فقال: (وايم الله)، بحذف النون في نهايتها فتبقى الميم وهي مضمومة فتظل على ذلك؛ لأن الألف تتبعها والهمزة منقولة.

قوله: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت)، وحاشاها رضي الله عنها.

والمخزومية التي سرقت كان اسمها فاطمة، وهذه فاطمة بنت النبي صلوات الله وسلامه عليه ورضي الله عنها، فيقول: لو أن فاطمة ابنتي أنا -وحاشاها- فعلت ذلك لقطعت يدها، فالنبي ﷺ لا يجامل ولا يحابي أحدًا، وإنما الشرع يقام على الجميع على الشريف وعلى الضعيف، على الإنسان الكبير في قومه، وعلى الحقير في قومه، فهنا غضب رسول الله لما شفع أسامة في حد من حدود الله سبحانه تبارك وتعالى.

شرح رياض الصالحين - حطيبة · الجزء ٥١ · الصفحة ٧

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح رياض الصالحين - حطيبةج ٥١ · ص ٧