تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لفضيلة أهل ذلك القرن في العلم والإيمان والأعمال الصالحة التي يتنافس فيها المتنافسون، ويتفاضل فيها العاملون، فغلب الخير فيها وغلب أهله، وقل الشر فيها وأهله، واعتز فيها الإسلام والإيمان.

(أمتي) أي أمة الإجابة.

(قرني) مشتق من الاقتران، وهم أهل العصر المتقاربين سناً وعادة وخلقاً.

وبعض أهل العلم يحدد القرن بالسنوات ويجعله مائة عام، والأول أقرب.

(قرني) يقصد بهم الصحابة، فهم أفضل القرون.

(ثم الذين يلونهم) هم قرن التابعين.

فضلوا على من بعدهم لظهور الإسلام فيهم، وكثرة الداعي إليه والراغب فيه والقائم به، وما ظهر فيه من البدع أنكر واستعظم وأزيل، كبدعة الخوارج والقدرية والرافضة.

(ثم الذي يلونهم) هم قرن أتباع التابعين.

(فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة) هذا شك من الراوي ـ عمران ـ والمشهور في الروايات أن القرون ثلاثة.

(ثم إن بعدكم قوم) باعتبار الأغلبية، فما بعد القرون المفضلة يغلي الشر، ولكن لا يزول الخير، لحديث: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ... ).

وذكر في الحديث مظاهر الانحراف بعد القرون المفضلة، وهي ثلاثة:

(يشهدون ولا يستشهدون)

يشهدون: يخبرون بما علموه أو شاهدوه أو سمعوه، لأن الشهادة إخبار الإنسان بما يعلم.

ولا يستشهدون: أي لا يطلب منهم الشهادة، وهذا لاستخفافهم بأمر الشهادة، وعدم تحريهم الصدق، وذلك لقلة دينهم وضعف إسلامهم.

إشكال وجمع:

الجمع بين هذا الحديث وحديث زيد بن خالد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ألا أخبركم بخير الشهداء: الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها).

وهو أن نقول: يجوز للشاهد أن يدلي بشهادته قبل أن طلبها إذا جهلها صاحب الحق، ويحرم على الشاهد الإدلاء بشهادته قبل طلبها إذا علمها صاحب الحق.

(ويخونون ولا يؤتمنون) يدل على أن الخيانة غلبت على كثير منهم أو أكثرهم.

(وينذرون ولا يوفون) أي لا يؤدون ما وجب عليهم.

فظهور هذه الأعمال الذميمة يدل على ضعف إسلامهم، وعم إيمانهم.

وجاء في رواية:

(ويحبون السمّانة) قال النووي: ” السمانة: بفتح السين، وهي السمن “.

قال جمهور العلماء في معنى الحديث: ” المراد بالسمن هنا كثرة اللحم، ومعناه أنه يكثر ذلك فيهم، وليس معناه: أن يتمحضوا سماناً، قالوا: والمذموم منه من ستكسبه، وأما من هو فيه خلقة فلا يدخل في هذا، والمتكسب هو المتوسع في المأكول والمشروب زائداً على المعتاد ... “.

مناسبة الحديث للباب:

دلالة الاقتران، لأن الحلف يقترن بالشهادة، فمن استخف بالشهادة استخف بالحلف.

ما يستفاد من الحديث:

1 - تفضيل القرون الثلاثة الأولى.

2 - أن الشر يزيد في الأمة.

قال أنس: (لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم).

وفيه عن ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته). رواه البخاري (2652)

ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ

شرح كتاب التوحيد · الصفحة ٢٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح كتاب التوحيدص ٢٠٧