تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولهما عن ابن عباس: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (كل مصور في النار، يُجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم). رواه البخاري (2225) ومسلم (2110)

ولهما عنه مرفوعاً: (من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ). رواه البخاري (5963) ومسلم (2110)

ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ

(ومن أظلم) أي لا أحد أظلم.

(يخلق كخلقي) أي ممن ذهب خالقاً.

(فليخلقوا ذرة) اللام للأمر، والمراد به التحدي والتعجيز، وهذا من باب التحدي.

(ذرة) واحدة الذر، وهي النمل الصغار.

(أو ليخلقوا حبة) أو للتنويع، أي انتقل من التحدي بخلق الحيوان ذي الروح إلى خلق الحبة التي هي أصل الزرع وليس لها روح.

المعنى الإجمالي:

يخبر الله تعالى في هذا الحديث القدسي على لسان نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -، أنه لا أحد أظلم من أولئك المصورين، الذين أرادوا بتصويرهم أن يشابهوا الله في خلقه، ثم يتحداهم عز وجل بأن يخلقوا مثل أضعف مخلوقاته، الحبة المنظورة وهي البذرة، أو يخلقوا مثل أضعف مخلوقاته، وهي حبة الحنطة والشعير، وذلك تعجيزاً لهم وتحقيراً لشأنهم، كما قال تعالى: ﴿إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب﴾.

مناسبة الحديث للباب:

حيث دلّ الحديث على تحريم التصوير، لأن فيه مشابهة لخلق الله، وذلك شرك مع الله في ربوبيته.

ما يستفاد من الحديث:

1 - أن المصور إذا قصد بالصورة مضاهاة خلق الله فهذا شرك أكبر في باب الربوبية، لأنه اعتقد مماثل لله في الخلق والتصوير، وقد قال تعالى: ﴿هل تعلم له سمياً﴾ وهذا استفهام بمعنى النفي.

وقال: ﴿ولم يكن له كفواً أحد﴾.

وقال: ﴿فلا تجعلوا لله أنداداً﴾.

ولحديث الباب: (أشد الناس عذاباً يوم القيامة ... ).

2 - استدل بحديث الباب: (فليخلقوا حبة ... ) مجاهد ومن وافقه من أهل العلم، على أن تصوير ذوات الأرواح ـ كالجبال والشجر والزرع ـ يحرم.

وذهب جمهور العلماء إلى الجواز.

لما أخرجه أبو داود والنسائي بسند جيد في حديث جبريل أنه قال للرسول - صلى الله عليه وسلم -: (مر برأس التمثال فليقطع فيصير كهيئة الشجرة)، فأجاز كونه كالشجرة، مما دل على الجواز.

وقال ابن عباس لرجل استفتاه في التصوير قال: (سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: كل مصور في النار) ثم قال ابن عباس: (إن كنت لا بد فاعلاً فاصنع الشجر وما لا نفس له).

وهذا القول هو الراجح.

وحديث: (فليخلقوا حبة ... ) محمول على من صور ليضاهي.

3 - كيف الجمع بين قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث عائشة: (أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله) وبين كون المشرك أشد الناس عذاباً يوم القيامة؟

الجمع من وجوه:

الوجه الأول: أن الحديث على تقدير (من) أي: أن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة، بدليل أنه قد جاء بلفظ: (إن من أشد ... ).

الوجه الثاني: أن الأشد به لا تعني أن غيرهم لا يشاركهم، بل يشاركهم غيرهم، قال تعالى: ﴿ادخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾.

الوجه الثالث: أن الأشدية نسبية، يعني: أن المصورين أشد الناس عذاباً بالنسبة للعصاة الذين لم تبلغ معصيتهم الكفر لا بالنسبة لجميع الناس.

قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله: ” هذا أقرب الوجوه “.

شرح كتاب التوحيد · الصفحة ٢٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح كتاب التوحيدص ٢٠٢