الباب الستون
ما جاء في منكري القدر
ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ
الإيمان بالقدر من أركان الإيمان، هذا مذهب أهل السنة والجماعة.
ولقد ذكر المصنف في هذا الباب ما جاء من الوعيد فيمن أنكره تنبيهاً على وجوب الإيمان به.
وقال ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ:
(والذي نفس ابن عمر بيده، لو كان لأحدهم مثل أحدٍ ذهباً، ثم أنفقه في سبيل الله، ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر).
ثم استدل بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:
(الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره). رواه مسلم (8)
ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ
المعنى الإجمالي للأثر:
أن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ لما بلغه أن قوماً ينكرون القدر، بيّن أنهم بهذا الاعتقاد الفاسد قد خرجوا من الدين، حيث أنكروا أصلاً من أصوله، واستدل على ذلك بحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي ورد فيه أن الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة التي يجب الإيمان بها جميعاً، فمن جحد بعضها فهو كافر بالجميع.
مباحث في القدر:
أولاً: تعريفه:
القدر في الاصطلاح: ما سبق به العلم، وجرى به القلم مما هو كائن إلى الأبد، وأنه عز وجل قدر مقادير الخلائق وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في الأزل، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة، وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها.
ثانياً: وجوب الإيمان بالقدر وأنه من أركان الإيمان.
أ- حديث جبريل حين سؤاله النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره). رواه مسلم
ب- عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة). رواه مسلم
ثالثاً: مراتب الإيمان بالقدر:
أ- الإيمان بعلم الله الشامل.
فعلم الله محيط بكل شيء، يعلم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، ويعلم الموجود والمعدوم، والممكن والمستحيل، وهو عالم بالعباد وآجالهم وأرزاقهم وأحوالهم وحركاتهم وسكناتهم، ومن منهم من أهل الجنة، ومن منهم من أهل النار، قال تعالى: ﴿هو الله لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة﴾ وقال تعالى: ﴿ليعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً﴾ وقال تعالى: ﴿هو أعلم منكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم﴾.
ب- الإيمان بأن الله كتب في اللوح المحفوظ كل شيء.
قال تعالى: ﴿ألم تعلم أن يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب﴾.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة). رواه مسلم
ج- الإيمان بمشيئة الله الشاملة وقدرته النافذة.
فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله، قال تعالى: ﴿من يشأ يضلله الله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم﴾.