الباب السادس والأربعون
التسمي بقاضي القضاة ونحوه
ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ
أي ما حكم التسمي بذلك؟
(ونحوه) مثل: ملك الأملاك، وسلطان السلاطين، وما أشبه ذلك.
في الصحيح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
(إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله). رواه البخاري (6206) ومسلم (2143)
قال سفيان: ” مثل: شاهان شاه “.
وفي رواية: (أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه).
ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ
(إن أخنع) أي أوضع اسم، والمراد بالاسم المسمى.
(رجل تسمى) بصيغة المجهول، أي يدعى بذلك ويرضى به.
(ملك الأملاك) الأملاك جمع ملك.
(لا مالك إلا الله) المالك هو المتصرف.
(أغيظ) من الغيظ، وهو مثل الغضب والبغض، فيكون بغيضاً إلى الله، مغضوباً عليه.
(وأخبثه) وهذا يدل على أن هذا خبيث عند الله، فاجتمعت في حقه هذه الأمور لتعاظمه في نفسه وتعظيم الناس له، فصار أخبث الخلق وأبغضهم إلى الله وأحقرهم، لأن الخبيث البغيض عند الله يكون يوم القيامة أحقر الخلق وأخبثهم لتعاظمه على خلق الله بنعم الله.
مناسبة الحديث للباب:
حيث منع الحديث التسمي بملك الأملاك ونحوه، لأن ذلك شرك مع الله في ربوبيته.
ما يستفاد من الحديث:
1 - تحريم التسمي بملك الأملاك.
لأن هذا اللفظ يصدق على الله تعالى، فهو ملك الأملاك، لا ملك أعظم ولا أكبر منه، مالك الملك ذو الجلال والإكرام، وكل مُلك يؤتيه الله من يشاء من عباده، فهو عارية يُسرع ردها إلى المعير، وهو الله ينزع الملك من ملكه تارة، وينزع الملك منه تارة، فيصير لا حقيقة له سوى اسم زال مسماه.
وأما رب العالمين فملكه دائم كامل لا انتهاء له، بيده القسط يخفضه ويرفعه.
2 - أن الذي تسمى بهذا الاسم: (ملك الأملاك) قد كذب وفجر وارتقى إلى ما ليس له بأهل، بل هو حقيق برب العالمين، فإنه الملك في الحقيقة، فلهذا كان أذل الناس عند الله يوم القيامة.
3 - أن الملك والتدبير والخلق كله لله.
قال تعالى: ﴿هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض﴾.
وقال تعالى: ﴿إن ربك هو الخلاق العليم﴾.
وقال تعالى: ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾.
وقال تعالى: ﴿قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون الله﴾.
4 - تحريم التسمي بملك الأملاك، وكل ما دلّ على الغاية في العظمة، كقاضي القضاة ونحوه.
5 - قال سفيان الثوري: ” شاهان شاه “ عند العجم عبارة عن ملك الأملاك.
وإنما مثل سفيان بشاهان شاه لأنه قد كثرت التسمية به في ذلك العصر، فنبه سفيان بأن الاسم الذي ورد الخبر بذمه لا ينحصر في ملك الأملاك، بل كل ما أدى معناه بأي لسان كان فهو مراد الذم. [ذكره الحافظ]
6 - التحذير من كل ما فيه تعاظم، كما أخرج أبو داود، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار).