(يؤذيني ابن آدم) أي يُلْحِقُ بي الأذى، فالأذية ثابتة لله، ولا يلزم من الأذية الضرر، فالإنسان يتأذى بسماع القبيح ومشاهدته، ولكنه لا يتضرر.
ولهذا أثبت الله الأذية في القرآن، قال تعالى: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً﴾.
وهذا بخلاف الضرر، فقد أخبر سبحانه أن العباد لا يضرونه، كما قال تعالى: ﴿ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئاً﴾.
فبين سبحانه أن الخلق لا يضرونه، وقال تعالى في الحديث القدسي: (يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني).
... رواه مسلم
(يسب الدهر) فيه أن سب الدهر يؤذي الله، ومعناه:
قال الشافعي وأبو عبيد وغيرهم من الأئمة: ” كانت العرب في جاهليتهم إذا أصابتهم شدة أو بلاء، قالوا: يا خيبة الدهر فيسندون الأفعال إلى الدهر ويسبونه، وإنما فاعلها هو الله، فكأنهم سبوا الله سبحانه وتعالى، لأنه فاعل ذلك في الحقيقة “.
قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله: ” وسب الدهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يقصد الخبر المحض دون اللوم، مثل أن يقول: تعبنا من شدة حرّ هذا اليوم، فهذا جائز.
القسم الثاني: أن يسب الدهر على أنه هو الفاعل، كأن يعتقد بسبه الدهر أن الدهر هو الذي يقلب الأمور إلى الخير والشر، فهذا شرك أكبر، لأنه اعتقد مع الله خالقاً، لأنه نسب الحوادث إلى غير الله.
القسم الثالث: أن يسب الدهر لا لاعتقاد أنه هو الفاعل، بل يعتقد أن الله هو الفاعل، لكن يسبه لأنه محل لهذا الأمر المكروه، فهذا محرم ولا يصل إلى درجة الكفر “. أ. هـ
قال ابن القيم: ” وفي هذا ثلاث مفاسد عظيمة:
الأولى: سبه من ليس أهلاً للسب، فإن الدهر خلق مسخر من خلق الله، منقاد لأمره.
الثانية: أن سبه متضمن للشرك، فإنما إنما سبه لأنه ينفع ويضر، وأنه مع ذلك ظالم قد ضرّ من لا يستحق العطاء.
الثالثة: أن السب مفهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال التي لو اتبع الحق فيها أهواءهم لفسدت السموات والأرض، وإذا وافقت أهواءهم حمدوا الدهر وأثنوا عليه “. أ. هـ
(أنا الدهر) أي مدير الدهر ومصرفه، ولهذا قال في الحديث: (وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار).
وفي رواية لأحمد: (بيدي الليل والنهار أُجده وأُبليه وأذهب بالملوك).
وبهذا يتبين خطأ ابن حزم رحمه الله في عده الدهر اسم من أسماء الله الحسنى، وهذا غلط فاحش، ولو كان كذلك لكان الذين قالوا: ﴿وما يهلكنا إلا الدهر﴾ مصيبين.
قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله في القواعد المثلى:
” الدهر ليس من أسماء الله تعالى، لأنه اسم جامد لا يتضمن معنى يلحقه بالأسماء الحسنى، وأما قوله: (أنا الدهر) فأفسره بقوله: (بيدي الأمر أقلب الليل والنهار) فهو سبحانه خالق الدهر وما فيه.
مناسبة الحديث للباب:
حيث أخبر سبحانه أن سب الدهر يؤذيه، وذلك لأن الذين يسبون الدهر يعتقدون أنه فاعل مع الله، وذلك شرك في الربوبية.
ما يستفاد من الحديث:
1 - أن ما يجري في هذا الكون من خير وشر فهو بإرادة الله وتدبيره، بعلم منه سبحانه وتعالى وحكمة لا يشاركه في ذلك غيره، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فالواجب عند ذلك حمده في الحالتين، وحسن الظنّ به سبحانه بحمده والرجوع إليه بالتوبة والإنابة، كما قال تعالى: ﴿وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون﴾ وقال تعالى:
﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون﴾.
2 - أن سب الدهر يؤذي الله.
3 - تحريم سب الدهر.
4 - نفي الفاعلية عن الدهر.