تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فَالْجَوَابُ أَنْ لَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ هُوَ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ إِلَيْهِ فِي نَفْسِهِ، مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ أَمْرٍ خَارِجٍ، وَهَذَا النَّظَرُ مِنْ حَيْثُ اعْتِبَارُهُ بِالْأُمُورِ الْخَارِجَةِ عَنْهُ، فَإِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهِ فِي نَفْسِهِ؛ فَهُوَ الَّذِي سُمِّيَ هُنَا الْمُبَاحَ بِالْجُزْءِ، وَإِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهِ بِحَسَبِ الْأُمُورِ الْخَارِجَةِ؛ فَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمَطْلُوبِ بِالْكُلِّ، فَأَنْتَ تَرَى أَنَّ هَذَا الثَّوْبَ الْحَسَنَ مَثَلًا مُبَاحُ اللُّبْسِ، قَدِ اسْتَوَى فِي نَظَرِ الشَّرْعِ فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ؛ فَلَا قَصْدَ لَهُ فِي أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، وَهَذَا مَعْقُولٌ وَاقِعٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ الْمُقْتَصَرِ بِهِ عَلَى ذَاتِ الْمُبَاحِ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ، وَهُوَ -مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ وِقَايَةٌ لِلْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَمُوَارٍ لِلسَّوْأَةِ، وَجَمَالٌ فِي النَّظَرِ- مَطْلُوبُ الْفِعْلِ، وَهَذَا النَّظَرُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهَذَا الثَّوْبِ الْمُعَيَّنِ، وَلَا بِهَذَا الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ، فَهُوَ نَظَرٌ بِالْكُلِّ لَا بِالْجُزْءِ":

وهذه أشار لها شيخ الإسلام فيما ذكرت لكم وهي رائعة، ولها منفذ أنه لما جعل المباح بالجزء مطلوبًا بالكل؛ ارتفع التَّعيين، إلا لأمر آخر.

الأصل أنه مباح بالجزء، هذا حكمه، لكن لما صار هذا المباح بالجزء مطلوبًا بالكل -مطلوبًا إما على وجه الاستحباب أو على وجه الوجوب، بحسب ما يؤدي إليه-؛ ذهب التَّعيين، يعني ليس التعيين متوجهًا إلى هذا الثوب. هو مطلوب من المرء بالكل أن يتستّر، مطلوب بالكل أن يتزيّن على جهة الاستحباب، أن يدفع الحرّ أو البرد ولكن ليس بهذا الثوب على الخصوص، فحكم هذا الثوب على الخصوص الإباحة.

فلما ذهب حكم الجزء، وصار بحكم الكل؛ ارتفع التعيين، إلا أن يتعيَّن لعدم وجود غيره، وهذا شيء خارج.

انظروا ماذا قال: "وَهَذَا النَّظَرُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهَذَا الثَّوْبِ الْمُعَيَّنِ، وَلَا بِهَذَا الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ، فَهُوَ نَظَرٌ بِالْكُلِّ لَا بِالْجُزْءِ".

~المسألة الرابعة في خطاب التكليف~

إذا قيل في المباح أنه لا حرج فيه

"إِذَا قِيلَ فِي الْمُبَاحِ: إِنَّهُ لَا حَرَجَ فِيهِ -وَذَلِكَ فِي أَحَدِ الْإِطْلَاقَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ-؛ فَلَيْسَ بِدَاخِلٍ تَحْتَ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ":

شرح كتاب الموافقات للشاطبي · الصفحة ٨٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح كتاب الموافقات للشاطبيص ٨٠٦