ينبغي أن يكونوا في المسجد عند حضور الإمام، بخلاف صلاة الجماعة الثانية فإن الإمام يخرج بعد حضور الناس لأنهم يحضرون بعد الأذان فينتظرون الإمام. فإذًا له سبب. هل يجوز للرجل أن يحدث أذانا ثانيًا؟ لا يجوز، بدعة. فلماذا فعله عثمان؟ لوجود السبب، وكان هذا المقتضى غير موجود في الزمن الأول. هذه قاعدة.
فإذًا ما كان في الزمن الأول غير مانع من وجود الحكم فلا يجوز أن نجعله مانعًا للحكم في وقت من الأوقات. وهكذا هذا الباب، إذا كان هؤلاء أيتام ومع هذا أفسد المال (1). القصد أن هذا مما يُنتفع به؛ يبيعونه لليهود، يبيعونه للنصارى، إلى آخره. الشارع قال: عليك أن تُريقها، فقاموا إليها وكسروها، كما فعل أبو طلحة -رضي الله عنه- لما جاءه أنس وأخبره بالتحريم، قام إلى جرار الخمر فكسرها، لم يعتبر أي مصلحة في إفساد هذا المال الذي حرَّمه الشارع.
وهذه نقطة مهمة علينا أن ننتبه لها لأنها لعبة هؤلاء اليوم مما يُسمَّون بالعلماء، هذه لعبتهم اليوم بإقامة المصالح الملغاة فيما نهى الشارع، أو بإلغاء المصالح التي أقامها الشارع مقابل المفاسد التي يعتبرونها.
هناك نقطة يذكرها الأصوليون؛ الفرق بين الحكم الأصلي وهو الإباحة الأصلية الذي سماه العلماء الاستصحاب أو الحكم العقلي أو الدليل كما هو كلام ابن حزم، وبين ما أطلق الشارع عليه حكم الإباحة وقالوا هذا هو المباح، وذكرنا الفرق بينهما في قضية النسخ.
وهناك نقطة أخرى فرّقوا فيها، قالها الأصوليون وفيها نظر، قالوا: فيما هو في الصنف الأول -وهو الاستصحاب والحكم العقلي- يجوز إلغاؤه على جهة التنظيم والإدارة؛ يعني واحد يقول: "نعم هو أصله مباح لكن ممنوع"، كما هو في أشياء كثيرة يمنعها الحكام، يمنعها المجتهدون، يمنعها الإداريون لأسباب إدارية فتصبح ممنوعة. قالوا: بخلاف ما هو مباح فلا يجوز رفع حكمه البتة؛ لا يجوز تقنينه على جهة التحريم المطلق، بخلاف الأول. فهذا مما قالوه، وهذه القاعدة التي قرّرها الشاطبي هنا تقرّر أن هذه المسألة فيها نظر. حتى المباح على المعنى الثاني يمكن أن تنتقل إلى أحكام أخرى على ما قرّره الشاطبي من الكلي والجزئي، والله تعالى أعلم.
"فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَا يَكُونُ هَذَا التَّقْرِيرُ نَقْضًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُبَاحَ هُوَ الْمُتَسَاوِي الطَّرَفَيْنِ؟
(1) هو مال عند الأحناف، أما الجمهور فلا يرون الحرام مالًا، وهذه مسألة ليس هذا وقتها.