إذًا هو الآن يميّز الثاني على الأول، في قوله: "لا حرج"، قال: هذا ليس داخلا تحت التخيير بين الفعل والترك. وهذا يدلّ على دقة النظر عند العلماء. هذا يعلّمنا كيف ندقق، كيف نفهم. الإمام أحمد له كلمات كثيرة، لما يقال له: هذا فرض؟ يقول: "ليس فرضًا هذا واجب"، والعلماء بعد ذلك يبحثون، هل يجدون قاعدة، وأنا قلت لكم الحديث النفسي من الصعب ضبطه، هو حالة نفسية، أنت تريد أن تعبّر عن هذا، لو أنك في جلسة واحدة فجاء رجل سألك عن مسألة تقول: هذا فرض، ثم يسألك عن أمر آخر تقول لو أني قلت: "فرض" فسيختلط أن هذا كالأول، فأقول: "لا، هذا واجب"؛ يعني أريد أن أقول لك هذا أدنى مرتبة، وهكذا. هذه كلمات من الصعب ضبطها في النفوس، لكنها موجودة، فليست كل الفرائض واحدة.
وهكذا تجد العلماء الأوائل مثلًا يطلقون لفظ "الكراهة" على التحريم، هذه مستقرة، وأنا جمعت مئات الأدلة لها في كتاب (حوار مع الكبار)، وعندما قال الإمام ابن تيمية بأن العلماء الأوائل يقولون عن شيء: "مكروه" وهو حرام، فأنت تذهب إلى (مصنّف أبي شيبة) تجد: باب كراهة كذا وكراهة كذا. كان مالك يتوّرع أن يقول عن شيء بأنه حرام إلا أن يقول الشارع حرام. فإذا لم يأتِ لفظ الحرام فلا يقوله. وكذلك أحمد إذا لم يأتِ لفظ الفرض فلا يقول فرضًا. يُسأل الإمام أحمد: بر الوالدين أهو فرض؟ قال: لا، هو واجب. وبر الوالدين فرض على المعنى الأصولي، ولكن لعدم وجود اللفظ الذي يُعيّن اللفظ.
والعلماء من قواعدهم أنهم إذا أفتوا لطالب العلم أنهم يفتونه بالنص. ماذا أفعل إذا دخلت المسجد؟ يقولون: قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين). يفتيه بالنص؛ لأن النص هو أجلى في المقام. لكن يأتي واحد يقول له: يا شيخ سنة أم فرض؟ إلى آخره فتبدأ المسائل بعد ذلك بالورود.
"لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّا إِنَّمَا فَرَّقْنَا بَيْنَهُمَا بَعْدَ فَهْمِنَا مِنَ الشَّرِيعَةِ الْقَصْدَ إِلَى التَّفْرِقَةِ":
هذه تعلمنا منهج البحث! قال لأننا فهمنا من الشريعة القصد، الشريعة هي التي فرّقت، فهذا يدلّ على أنه نظر.
"فَالْقِسْمُ الْمَطْلُوبُ الْفِعْلِ بِالْكُلِّ هُوَ الَّذِي جَاءَ فِيهِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، [الْبَقَرَةِ: 223].
وَقَوْلِهِ: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [الْبَقَرَةِ: 35].
﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ [الْبَقَرَةِ: 58].