هذه تضعون تحتها ألف خط: المباح إنما بالنظر الجزئي إليه، وأما بالنظر الكلي فلا بد أن يكون صائرًا إلى أحد الأحكام الأخرى؛ لأن كل مباح ليس بمباح بإطلاق، وإنما هو مباح بالجزء خاصة، وأما بالكل؛ فهو إما مطلوب الفعل أو مطلوب الترك.
ولذلك السلف ليس عندهم شيء اسمه "مباح" على هذا المعنى، لا يوجد عندهم مباح إلا على معنى الطاعة، إن فعلوه إنما يفعلونه على قصد الطاعة، ولذلك هم لهم أجر. وهذا ذكره الشيخ هنا وأشار إليه في المجلّد الأول من المطبوع من (مدارج السالكين) لابن القيم.
"فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَا يَكُونُ هَذَا التَّقْرِيرُ نَقْضًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُبَاحَ هُوَ الْمُتَسَاوِي الطَّرَفَيْنِ؟
فَالْجَوَابُ أَنْ لَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ هُوَ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ إِلَيْهِ فِي نَفْسِهِ، مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ أَمْرٍ خَارِجٍ":
ولذلك هذه تُعلّمنا الجدل والنظر إلى أمر مهم، وهو أن عليك أن تحرِّر أصل الشيء؛ ما هو أصل الشيء؟ بعد ذلك عليك أن تتحدث عن واقعه وما يدخل عليه من شروط، موانع، أسباب، إلى غير ذلك من الأحكام الوضعية. بعد ذلك تكلّم عن شيء آخر مما يتعلّق به.
وأنا خلال تفكري فيما قلت معكم أنبّه على نقطة مهمة، وهي أننا نتكلم هنا عن المآلات والمقاصد، -وأنا لا أكتمكم أن هذه نقطة مهمة لم أتكلم فيها من مخافة اتخاذ ما نقوله عند البعض إفسادا للأحكام الأصلية-.
نحن في هذه الدروس الأخيرة كلها حديث عن واقع الفتوى، وذلك بالنظر إلى أصل الحكم ثم بالنظر إلى واقعه ومآلاته. يعني لو تفكَّرتم لوجدتم أن هذا الذي نقوله هو عمدة المبتدعة كذلك؛ هو يقول لك: "نعم، مضبوط وواجب ولكن اليوم حرام"، ويقول لك: "نعم هذا كان حلالًا، وهذا كان حرامًا ولكنه اليوم للضرورة حلال"! فما نقوله من قواعد تصلح كذلك للمبتدعة والزنادقة في إبطال الشريعة.
ضابط اعتبار مآل الحكم وواقعه
يعني واحد يأتي تقول له: الربا حرام، يقول: "نعم أنا أوافقك، ولكنه اليوم ضرورة"!، ويأتي ويقول لك واحد: "الجهاد أعرف أنه واجب ولكن اليوم حرام"، لماذا؟ "لمفسدته"!! إذًا ما هو الضابط في اعتبار المقاصد والمآلات أو اعتبار ما تقدم من النظر إلى واقع الفتوى ما هو الضابط؟