القرآن، ولكنها خادمة -بفضل الله- لما قلت. وفي تفسيري لسورة الإسراء نفيت النسخ الكلي في القرآن، القرآن أجلُّ من أن يُبقي لنا آيات فيها أحكام رفع حكمها رفعًا كليًا وأبقى اللفظ فقط لنتعبّد به. فإذا رفع الشارع حكمًا كليًا لا بد أن يبقي أثره، ويُرجع إلى كتابه للفائدة في هذه النكتة العلمية، ويُرجع إليها في تفسير سورة الإسراء.
إذًا قوله: "على الجملة" أي فالمباح على أربعة أقسام:
" أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ خَادِمًا لِأَمْرٍ مَطْلُوبِ الْفِعْلِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ خَادِمًا لِأَمْرٍ مَطْلُوبِ التَّرْكِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ خَادِمًا لِمُخَيَّرٍ فِيهِ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَهُوَ الْمُبَاحُ بِالْجُزْءِ، الْمَطْلُوبُ الْفِعْلِ بِالْكُلِّ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَهُوَ الْمُبَاحُ بِالْجُزْءِ الْمَطْلُوبُ التَّرْكِ بِالْكُلِّ، بِمَعْنَى أَنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، وَأَمَّا الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ فَرَاجِعَانِ إِلَى هَذَا الْقِسْمِ الثَّانِي":
معنى الكلي والجزئي عند الإمام الشاطبي
لما شرح الكلي والجزئي ماذا قال؟ ضعوا تختها خطًا حتى تتأملوها، فإذا سُئل المرء ما معنى الكلي والجزئي في هذا الباب هو يجيب، لا نحتاج الاستقراء ولكن سنزيد عليها. يقول: "بِمَعْنَى أَنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا".
إذًا يقول: "وَأَمَّا الثَّانِي: فَهُوَ الْمُبَاحُ بِالْجُزْءِ الْمَطْلُوبُ التَّرْكِ بِالْكُلِّ":
بماذا يفسر الكلي والجزئي هنا؟ بأن المداومة عليه -أي على المباح- منهي عنها. ماذا يكون المطلوب بالفعل بالكل؟ أن المداومة على الترك منهي عنها.
الآن هل هذا ما فسّر به الكلي والجزئي أم هناك معنى آخر ذكره في طيّات كلامه؟ هل فقط المداومة أم قضية الاجتماع على الترك أيضًا؟
قلنا أن الكلي والجزئي في كلام الشاطبي يُطلق على معنيين: