تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لكن أنتم تعلمون أن الشارع أطلق لفظ "رفع الحرج" على ما هو واجب، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، وهذا ليس إقرارًا للحكم، هذا رفعٌ لمعانٍ في النفس لا علاقة لها بالحكم. وذلك بأن العرب كانت تسعى بين إساف ونائلة، فوجدوا أن في نفوسهم أن هذا شيء كانوا يفعلنه في الجاهلية، فهل يفعلون هذا في الإسلام؟ فقال: هذا لا يؤثر عليك، بل هو واجب عليك فعله. فهنا قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ هو رفع لما استقرّ في النفس من مشابهة بين فعل كانوا يقومون به في الجاهلية وبين فعل أُمروا به في الإسلام.

وهذه قاعدة استقرّت في نفوس الصحابة -رضي الله عنهم-، بل هي مَعْلَم خَتْم الإسلام. في حجة الوداع النبي - صلى الله عليه وسلم - سألهم عن يومهم هذا، وعن بلدهم هذا، وعن شهرهم؛ (أي بلد أنتم فيه؟ أي شهر أنتم فيه؟ أي يوم أنتم فيه؟) قال: "فجعل يسألهم"، قال: "فسكتوا وهم لا يجيبون، حتى ظننا أنه سيُغيّره". يعني إلى هذه الدرجة من الشعور العالي الراقي في نفوس الصحابة استقرّت معاني تمايز الإسلام عن الجاهلية. آخر شيء سألهم في أي يوم أنتم؟ سكتوا، قال: سكتوا حتى ظننا أنه سيغيره. ما معنى هذا؟ معناه ثبوت هذا المعنى في نفوس الصحابة من افتراق الإسلام حتى في الأسماء عن الجاهلية، وهذا لاستقرار هذا المعنى في نفوسهم وهو مفارقة الإسلام لأشكال وهياكل وواقع الجاهلية.

"وعَلَى الْجُمْلَةِ فَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ":

هنا الشيخ يأتي إلى قضية خاصة به تميّز بها في هذا الباب تميّزًا عظيمًا، وهذا من إبداعه، وهذا من فَتْح الله -عزَّ وجلَّ- عليه خاصة، وهذا مما يُقال فيه: "كم ترك الأول للآخر"، لا يُقال: "لم يترك الأول للآخر شيئًا"، ولكن يُقال: كم ترك، للتكثير.

فالشيخ هنا يدقِّق في النظر إلى علاقة المباح مع غيره، ما هو نافع. وهذه نقطة ينبغي أن نهتم بها ونتأملها؛ فإن الشارع لا يُقيم شيئًا على جهة الاستقلال في الوجود إلا مع وجود خادمه. لا يوجد أي شيء يقيمه الشارع هكذا ولا يُبقي له معانٍ تخدمه، لا بد إذا أمر بشيء أن يُقيم له ما يخدمه، وإذا نهى عن شيء أزال حوله ما يؤدّي إليه. هذه قاعدة: "إذا أقام الشارع أمرًا فلا بد أن يأمر بما يخدمه، ويُعين عليه، ويجبره إذا ضعُف، ويملأ مكانه إذا غاب، وإذا نهى الشارع عن شيء فإنه يمنع ما يوصل إليه"، هذه قاعدة يجب علينا أن نفهمها. وهذا مما قاله شيخنا وسيقوله في باب المقاصد وغيره من الأبواب.

ولابن القيم -رحمه الله- لفتة عظيمة في كتابه (مفتاح دار السعادة)، وهو يتكلم عن أثر الكونيات في الإيمان؛ كيف التأمل في الحياة، التأمل في الوجود، التأمل في السنن الكونية أنها خادمة للمفهوم الشرعي. فيقول فيه: "إن الشارع لم يرفع حكمًا كليًا إلا وأبقى أثره بعده"؛ يعني ليس هناك رفع كلي كامل، هذه فائدة في النَّسخ مهمة، ليست هذه منطلقي في نفي النسخ الكلي في

شرح كتاب الموافقات للشاطبي · الصفحة ٨٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح كتاب الموافقات للشاطبيص ٨٠٠