بخلاف الحكم العقلي الأصلي، فإنه لا يسمى نسخًا، إذا كان الشيء مباحًا في الأصل وجاء الشارع بحرمته فلا يُقال له نسخ عند الأصوليين. لكن هل هذا عند جميع أهل العلم؟ الصواب: لا، أنا وجدت في كلام الإمام الطحاوي في كتابه (مشكل الآثار) أنه يسمي رفع الحكم العقلي نسخا، هذا خاص به، فإنه يأتي إلى الحكم الذي كان الأصل فيه الإباحة فإذا جاء الشارع برفع حكمها سماه نسخا، فهو لفظ ومصطلح خاص بأبي جعفر الطحاوي، لا أعلم أحدًا تابعه عليه.
وهذه المسألة هي مما قال لنا الشيخ الشاطبي -رحمه الله- أنها من الأجنبي على أصول الفقه. ما هو الأصل قبل ورود الشرع؟ هذه مسألة قال الشاطبي عنها أنها طارئة على أصول الفقه، أجنبية وليست أصلية، لا يترتب عليها فائدة في الأصول لا في التحليل ولا في التحريم. لكن أغلب أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وهو اختيار الشيخ الشنقيطي في (مذكرات أصول الفقه) يرجِّحون أن الأصل التوقُّف، فالشيء قبل مجيء الشرع ومجيء الرسول قالوا: يُحمل على التوقف، وفي المسألة كلام.
الآن ندخل على أقسام المباح بالطريقة التي يشرحها الإمام الشاطبي:
~المسألة الثالثة في خطاب التكليف~
اختلاف المباحات
"الْمُبَاحُ يُطْلَقُ بِإِطْلَاقَيْنِ، أَحَدُهُمَا: مِنْ حَيْثُ هُوَ مُخَيَّرٌ فِيهِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ.
وَالْآخَرُ مِنْ حَيْثُ يُقَالُ: لَا حَرَجَ فِيهِ، وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ":
هنا الشيخ يقول: ما هو اللفظ المفيد للإباحة؟ هذا معنى كلامه، ولذلك يقول: "الْمُبَاحُ يُطْلَقُ بِإِطْلَاقَيْنِ" أي يُطلق بلفظين: من حيث هو مخيّر فيه بين الفعل والترك، ومن حيث هو يُقال: لا حرج فيه.
ولماذا يُستخدم اللفظ الثاني "لا حرج فيه"؟ ليدلّ على وجود التساؤل؛ إذا جاء الشارع بهذا اللفظ "لا حرج فيه" دلّ على وجود التساؤل، وأن هناك ثمة حرج في نفس المخاطب فرفع الحرج ولذلك قوله: "لا حرج" هو علاج نفسي وليس مجرد رفعٍ للإثم في فعله. فعندما يقول: "لا حرج" فكأنه يرفع شيئًا من نفسه، وهذا ما استخدمه - صلى الله عليه وسلم - في الحج يقول: (لا حرج)، كأنه يقول: لا تثريب عليك، لا شيء عليك، أزِل ما في نفسك؛ لأنه يأتي الرجل سائلًا: رميت قبل أن أحلق، طفت قبل أن أرمي، وهكذا، فهو - صلى الله عليه وسلم - ما جاءه أحدٌ قدّم وأخّر إلا قال له: (لا حرج)، وكأن في نفس المرء السائل شيء من الشعور بالإثم أو الوزر أو عدم الإجازة أو عدم السقوط وعدم صحة الأداء فيرفع عنه بقوله: لا حرج.