الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين وإمام المتقين حبيبنا وسيدنا وإمامنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى صحبه الغر الميامين وعلى من تبعهم بإحسان وهدى إلى يوم الدين، جعلنا الله -عزَّ وجلَّ- وإياكم منهم، آمين.
ما زلنا أيها الإخوة الأحبة مع كتاب الإمام الشاطبي (الموافقات)، ولا زال الشيخ يفصّل ويقرّر موضوع المباح.
قلت لكم أن قضية انزياح المباح في الفتوى إلى الأحكام الأخرى (الكراهة والتحريم أو الاستحباب والوجوب)، هذا مما اختصَّ به كتاب الإمام الشاطبي، وبهذا التفصيل لا يوجد له مثيل. ولكن وجدتُ خلال التنقيب كلامًا قريبًا منه أو إشارة يسيرة يقولها بعض أهل العلم، تستطيعون مراجعة (الجزء العاشر من فتاوى ابن تيمية) فيه هذه الإشارة إلى انزياح المباح إلى الواجب بالقصد أو بالضرورة. وكذلك وجدت كلامًا لابن القيم في (مدارج السالكين) في قضية تحول المباح عند السابقين إلى الطاعات، وذلك بالقصد في التعبد، كما ذكر الشاطبي مفصلًا إياه تفصيلًا رائعًا.
تقسيم المباح في كتب الأصوليين
وفقط أريد أن أتكلم عمَّا يقوله الأصوليون، -والشاطبي هنا لا يعرجّ عليه لأنه لا ضرورة له، ولكن هذا من التقسيم العلمي الذي ينبغي أن تستحضره، وإذا مررت به في كتب الأصول تجده بينًا-، وهو أنهم يقسمون المباح إلى قسمين:
1. وهو ما يُسمى أولًا بالحكم العقلي وهو الاستصحاب؛ أي استصحاب أصل الشيء وهو الإباحة؛ فلو سألك سائل عن شيء لم تأتِ حرمته فأنت تُبيحه بالأصل، وهذا الذي يُسمى بالحكم العقلي أو الاستصحاب، ويُسميه ابن حزم بالدليل، ويسميه الأصوليون الحكم العقلي أو الاستصحاب، فيقولون: الأصل فيه الجواز؛ هذا حكم عقلي.
2. المباح بالحكم: لكن هناك أشياء جاء الشارع بقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ﴾، أو (لا حرج)، ذكر الشارع فيها نصًا، فهذا الذي يُقال فيه المباح، وهذا يفرِّقونه عن الأول.
هل لهذا التفريق فائدة في الثمرة؟ الجواب أنه لا فائدة في الثمرة، ولكنه من التفريق العلمي الذي يستحضره طالب العلم، ومما يُرتِّبون عليه في الفهم -وليس في الثمرة في نتائج الحكم-: أن رفع الحل المنصوص عليه يُسمى نسخًا؛ فإذا نصَّ الشارع على شيء أنه مباح بألفاظ الإباحة كقوله: "أحلَّ، لا حرج، عفو"، هذه من ألفاظ الإباحة، فجاء النص بعد ذلك بحرمته؛ فهذا يُسمى عندهم نسخًا.