يتحدث عن واقع، فماذا قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ (إن الله جميل يحب الجمال)، أحاله إلى نظر الله له، واحد مثلًا يستفتيك تقول له: جيد أن تُحسن إلى إخوانك وزوجتك ترضى عنك، وتراك زوجتك جميلًا وتجلس بين إخوانك ولا تكون منفرًا، انظر إلى الحديث أين يذهب؟ ينزل الحديث أرضيًا، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إن الله جميل يحب الجمال)، انظر إلى الفرق!
هذا رجل يتحدث عن الله، هو هنا جالس بيننا - صلى الله عليه وسلم - جالس بين أصحابه، جالس في أمته ليخبرهم: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ هو ليس محجوبًا، هو ليس بخيلًا، هو يحدثهم عما يحدث في الغيب، وأعظم الغيب هو الله، عن علاقة هذا الوجود مع الله. فقال لهم: (إن الله جميل يحب الجمال)، (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده)، قال: الله يحب، لم يقل: زوجتك تحب هذا، أصدقاؤك يحبون هذا، إخوانك يحبون هذا، تلاميذك إذا كنت أستاذًا يحبون هذا، لا، لم يقل هذا، هذا يُحدِّث عن الله.
وأعظم كلمة وجدتها في هذا الباب، وهذه من كلام أئمتنا العظماء، قال: لما قال أبو بكر لابنته عائشة في حادثة الإفك: "قومي فاشكري رسول الله، قالت: والله لا أحمد إلا الله، قال: فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - ". أنا متأكد لو واحد ثاني يقول: طيب احمدي الله واحمديني أنا أيضًا! قال: "فضحك النبي"، ماذا علَّق عليها ابن القيم؟ أجمل كلام وأفضل كلام، قال: "فرِح النبي لأنها نسبت الحمد كله لله". رسول الله لا يُحدِّث عن نفسه، هو يحدث عن الله.
وتأملوا هذا: (إن الله جميل يحب الجمال)، (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده)، يتحدث عن هذا، يتحدث عن الله. وانظروا إلى الفقه النبوي الذي فيه إشارة لربط كل فعل بطاعة الله، ونظر الله إليه، وانظروا إلى ما يجيب به بعض الفقهاء!
-ثانيا: مباح بالجزء مطلوب بالكل على جهة الوجوب
"وَالثَّانِي: كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَوَطْءِ الزَّوْجَاتِ، وَالْبَيْعِ، وَالشِّرَاءِ، وَوُجُوهِ الِاكْتِسَابَاتِ الْجَائِزَةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [الْبَقَرَةِ: 275]. ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [الْمَائِدَةِ: 96]. ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [الْمَائِدَةِ: 1].
وَكَثِيرٌ مِنْ ذَلِكَ، كُلُّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُبَاحَةٌ بِالْجُزْءِ؛ أَيْ: إِذَا اخْتَارَ أَحَدٌ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ عَلَى مَا سِوَاهَا؛ فَذَلِكَ جَائِزٌ، أَوْ تَرَكَهَا الرَّجُلُ في بعض الأحوال أو الأزمان أَوْ تَرَكَهَا بَعْضُ النَّاسِ؛ لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ، فَلَوْ فَرَضْنَا تَرْكَ النَّاسِ كُلِّهِمْ ذَلِكَ؛ لَكَانَ تَرْكًا لِمَا هُوَ مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ الْمَأْمُورِ بِهَا، فَكَانَ الدُّخُولُ فِيهَا وَاجِبًا بِالْكُلِّ":