وذلك أن الإنسان يستطيع أن يتصنع ساعة عند الناس، ولكن لا يستطيع أن يتصنع كل يومه؛ ولهذا فالسفر يسفر عن الأخلاق؛ بسبب طول الزمن، وأما مخالطة الناس فهي شيء عارض، والعارض يكون فيه التصنع، بينما الدائم يصعب فيه التصنع، والنبي عليه الصلاة والسلام علم من باطنه، وذلك مما أعلمه الله جل وعلا، وفي هذا أن كثيراً من أمور النبي عليه الصلاة والسلام وأفعاله ترتبط ذلك ببعض البواطن؛ لهذا أمثال هذه العلل ينبغي ألا تربط بعلة ظاهرة، فربما كانت العلة خفية، ويجب في ذلك الإيمان والتصديق، وأن توكل العلة إلى العالم بها، وأن يأخذ الإنسان ذلك على الامتثال. وفي هذا أيضاً أن النبي عليه الصلاة والسلام كان قلوب الناس ليخرج جذوة الإيمان في قلوبهم، ويستثيرها بالعطاء، ومعلوم لذي العقلاء أن العطاء يطهر القلوب من الفساد، وهو أيضاً معلوم عند أهل العقل المتجردين من الإسلام، حيث يسمون التطهير بالمأساة، أي: أن الإنسان إذا تقلب بالمأساة من حزن وكرب وفرح فإنه أقرب إلى معرفة الحقائق؛ لأن النفس لديه تطهرت. والإنسان الذي لا تمر عليه المأساة كالذين يعيشون في رغد من العيش لا تتطهر لديهم الأقوال والأفعال؛ لهذا النبي عليه الصلاة والسلام يطهر قلوبهم بشيء من العطاء حتى يضطرب القلب، وينتفض ويرجع إلى الحق، ولهذا الفلاسفة كأرسطو وأفلاطون وسقراط وغيرهم يسمون هذا التطهير بالبلاء، الذي يطرأ على الإنسان فيتجرد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم طهره الله جل وعلا من كل شيء ونقاه، وهذه المأساة تكون بالنعيم وتكون بسلب النعيم، والثمرة من ذلك أن الإنسان يتجرد في معرفة الحق؛ لهذا تجد الإنسان إذا نزلت به مصيبة صقل قلبه وابتعد عن الشوائب والمكدرات، وتجرد للحق، فمثلاً: الإنسان حينما يذهب إلى الطبيب، ثم يخبره الطبيب أن بك مرض السرطان، يقع لديه التطهير الآن، فيكون القلب أنقى ما يكون في هذه اللحظة، فربما يأتيه الشخص فيقال: فلان ظلمك.
شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري · الصفحة ١٠١
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاريص ١٠١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي