
ومقتضى أصول القدرية: قبح ذلك أيضا، كما صار إليه الثنوية؛ لأن المقصود من التكليف عندهم التعريض لما هو الأصلح للمكلف ، من الثواب الذي لا ينال إلا بالأعمال، وإذا كان كذلك وجب لا محالة أن يكون الرب سبحانه مسيئا للنظر لمن خلقه وجعله على حد التكليف، مع علمه بأنه يهلك ولا ينال شيئا من الثواب، بل يخسر حظه من الفضل؛ فوجب أن يكون علمه بذلك من حاله مانعا وصارفا له عن إرادته التعريض لمن هذه حاله للنفع والثواب.
وكل عاقل إذا رجع إلى نفسه، وعلم بخبر نبي إياه عن الله سبحانه: «أنه إن أخرج ولده إلى بلد في تجارة؛ ليربح ويلي الولايات وينال العز والجاه؛ هلك ولم يظفر بشيء مما يخرجه له» - أن علمه بذلك يصرفه عن تعريض النفع ويمنعه عن كونه مريدا لنفعه من هذه الجهة مع العلم بذلك من حاله. وكذلك إن أخبر النبي: «أنه إن أعطى ولده السلاح والمال ؛ ليجاهد المشركين، قتل بذلك نفسه والمؤمنين» - يصرفه علمه بذلك عن إرادته لنفعه من هذا الوجه.
وإذا كان كذلك، وكان الله تعالى عالما بأن من كلفه من الكفار يهلك ويخالف ويستوجب النار والخلود؛ وجب لا محالة أن يكون علمه بذلك مانعا