
هذا؛ على أن الأمة مجمعة على وجوب وصفه سبحانه بالتفضل والإحسان، ولو كان كل نفع يوصله إلى خلقه واجبا ومستحقا عليه، لم يكن به متفضلا ولا محسنا ولا منعما ولا محمودا ولا مشكورا معظما، كما لا يكون متفضلا عندهم بفعل العوض والثواب.
فإن قالوا: ما أنكرتم أن تكون جهة كون الفعل تفضلا : أنه نفع يجحف بفاعله ويستضر ببذله وينتفع بحبسه وإمساكه عن المنعم عليه ? وهذه صفة الخلق فيما يبذلونه من المنافع لغيرهم؛ فلذلك صاروا متفضلين بالنفع. وهذا مستحيل في وصف القديم سبحانه؛ من حيث إنه لا يتضرر بالبذل ولا ينتفع بالمنع؛ فلم يجز أن يكون متفضلا بشيء من المنافع .
قلنا: ليس حقيقة التفضل عند أهل اللسان ما ذكرتموه، بل معناه: نفع خالص غير مستحق أو ما يئول إليه، مع القصد إلى نفع من أوصل إليه. والرب سبحانه قادر على ذلك، وموصوف به، ومشكور على فعله. ولو كان معنى التفضل ما ذكرتموه، لوجب أن يكون قاضي دينه وراد الوديعة التي في يده متفضلا بالرد والقضاء؛ لأنه نفع للغير مع حاجة القاضي وصاحب الوديعة إلى ذلك واستضراره بخروج ذلك من يده؛ فعلم أنه ليس جهة كون النفع تفضلا ما ذكروه من الحاجة إليه والاستضرار ببذله.
ومما يعظم مؤقعه عليهم: أن نقول: قضاؤكم بوجوب الأصلح على الله تعالى ورطكم في جحد الضرورات؛ وذلك أن الكتاب إذا بلغ أجله وطوق كل امرئ عمله، وصار الكفار إلى الخلود في النار وتقطع الجلود ومعاطاة الزقوم والضريع بدلا من الرحيق والسلسبيل، وعلى الرب تعالى أن يصلح عباده - فأي صلاح لأصحاب النار في الخلود ?!