
فإن قالوا: إنما قلناه لقضاء العقل بأن من ظلم وبغي عليه وأولم اعتداء وابتداء؛ فيحسن منه الانتصاف ممن ظلمه واعتدى عليه، وإذا أساء العبد أدبه لم يقبح عند العقلاء زجره.
* قلنا: بم تنكرون على من يقول: إن ذلك إنما لم يقبح ؛ لاستفادة المنتصف بانتصافه شفاء غليله ودرء الحنق عن نفسه، ويرجع ذلك عند التحصيل إلى دفع ألم بألم ? وكلامنا في إيلام الرب سبحانه من شاء من عبيده مع استغنائه عنه وعدم احتياجه إليه، ولا يجري حكمه في ذلك مجرى حكم العباد . وهذا لا مخلص لهم منه.
فإن قالوا: الرب تعالى وإن كان غنيا عن معاقبة المجرمين، فلو ترك ذلك لكان إغراء بالفواحش وارتكاب الجرائر .
وهذا الذي قالوه باطل بقبول التوبة؛ فإنه حتم في حكم الله عندكم، وفيه إغراء بالذنب؛ فإن مقارفه يتجرأ عليه باعتقاده قبول توبته إذا تاب.
فإن قالوا: في عقول العقلاء ذم المسيء على إساءته، من غير التفات إلى انتفاع الذام به أو استغنائه.
قلنا: لا نسلم لكم ذلك ألبتة، بل إنما يحسن ذلك ؛ لاستفادة المنتصف والمنتقم بذمه وعقابه من شفاء الغليل ودرء الحنق عن نفسه، ولو قدر خلو الانتصاف والذم عن ذلك لكان عبثا لا فائدة فيه.
فإن قيل: إنما يحسن فعل الواجب؛ لكونه واجبا في الحكمة، انتفع به مستوفيه أو لا ينتفع.
قلنا: هذا موضع النزاع؛ فلم قلتم ذلك ?!