
53
فأما الثنوية فإنهم قالوا : (227 اف) الآلام والغموم والهرم كلها قبيحة لأنفسها، وادعوا: أن العلم بقبح ذلك أجمع ضروري، وزعموا: أن جميع المنافع واللذات والسرور وما يئول إلى ذلك حسن في العقل.
فيقال لهم: لم قلتم ذلك?
قالوا: وجدنا العقلاء يمتنعون ويمنعون من نزول الآلام بهم، والطباع تنفر منه ، والعاقل لا يؤثر الألم ولا يبتغيه، وإذا اضطر إليه يروم منه خلاصا؛ ولو لم يتألموا بها لم يمتنعوا منها، ولو لم تكن ضارة من حيث كانت آلاما لم يحسن منهم المنع والامتناع منها؛ فدل جميع ذلك على قبح الآلام.
قالوا : وكذلك مثبتو الصانع يلتجئون إلى الله تعالى في إزالته، ويستعيذون به من وقوعه، وكل ذلك دال على كونه قبيحا؛ فإنه ضرر محض تأباه النفوس.
قلنا : نحن لا ننازعكم في أن الألم ضرر تأباه النفوس، ولكن لم قلتم: إن العقلاء متفقون على وجوب المنع والامتناع من نزول الألم بهم ومجمعون على أنها مضار ? وكيف تدعون ذلك وأكثر العقلاء ممن وافقكم على إيجاب العقول وحظرها يمنع ذلك أشد المنع ?
ونقول: إن الأمر بعكس ما قلتم عند العقلاء؛ لأننا كما نجدهم يمتنعون ويمنعون ويهربون من نزول الآلام بهم، فإننا نجدهم يطلبون إنزال كثير من الآلام بهم ويدعون إلى فعلها، بل لهم أحوال مختلفة؛ فقد يوجبون نزول الآلام بهم إذا اعتقدوا أن فيها نجاتهم من هلاك وتلف هو أعظم مما يقاسونه