 42
ولم يصح أن يكون مع علمه بذلك من حالهم مريدا لنفعهم، ولو صح ذلك منه لم تكن إرادته لنفعهم نفعا وحسن نظر لهم، وكان خلقه إياهم مع العلم بهلاكهم هو سوء التدبير والنظر لهم، وذلك قبيح على أوضاعكم.
ويقال لهم: أليس يسأل أهل النار الرجعة، فلا يجيبهم إلى ذلك؛ لعلمه بأنه لو ردهم إلى الدنيا لعادوا لما نهوا عنه ? وكان سبحانه قد علم قبل أن خلقهم أنه لو خلقهم وكلفهم لكفروا وظلموا، ثم خلقهم، ولو أراد نفعهم لما خلقهم، كما لم يردهم إلى الدنيا إرادة لنفعهم. ثم الدنيا كلها لا يفي عطرها بصنانها ولا تقوم لذاتها بآلامها، وسنعود إلى هذا في باب الصلاح والأصلح ، إن شاء الله.
فإن قال قائل من الدهرية: لو كان الفصل بين الشاهد والغائب ما كرتم؛ من أن الواحد منا فطر على بنية لا يتأتى منه إنشاء الفعل إلا لغرض، والقديم سبحانه مقدس عن الأغراض - للزم طرد هذا الفرق بين الشاهد والغائب في الحياة والقدرة والعلم والإرادة؛ حتى يفتقر فعل أحدنا إلى هذه الصفات، والقديم يخالف الحادث في ذلك.
*قلنا: الفعل يدل على هذه الصفات أو على هذه الأوصاف، والدليل العقلي لا ينتقض. وقد ادعى بعض أصحابنا في ذلك الضرورة؛، فالإرادة تخصص والقدرة توقع والعلم يلازم الإرادة، والفعل لا يقتضي كون الفاعل ذا بنية من حيث الفعل، حتى يستدعي غرضا وحاجة. ومن صار إلى أن الإرادة حادثة؛ فيلزمآه إسنادها إلى إرادة ومخصص لها.
واعلم أن معنى قول أهل الحق: «إنه سبحانه حكيم في أفعاله»: أنه مصيب في ذلك ومخكم لها؛ لأنه مالك للأعيان، فيتصرف تصرف مالك