
فإن قالوا: القديم سبحانه حكيم في أفعاله مع تقدسه عن الانتفاع، بخلاف الحكيم منا؛ فإنه جسم قابل للحوادث والمضار والمنافع.
قلنا: فهذا بإقراركم خلاف حكم الشاهد؛ فبم تنكرون على من يقول: إنه خلق الخلق لا لشيء من هذه الوجوه مع كونه حكيما، وإن كان ذلك خلاف ما تشاهدون من حكمائنا، وهذا هو الفصل بين الشاهد والغائب?
ويقال لهم: ما معنى قولكم: إنما يحسن من القديم الفعل إذا قصد به نفع الغير?
فإن قالوا: معناه: أنه أراد نفعهم.
قلنا: إرادته غير موجبة نفعهم، لاسيما على أصولكم؛ فإنه قد يريد ما لا يكون، وقد يستضرون بخلقه إياهم وتكليفه لهم مع الإرادة لنفعهم، ومع ذلك هو حكيم؛ فما أنكرتم: أن يكون خلقهم وأراد بهم الضرر ? وكان بذلك حكيما؛ لأنهم قد ينتفعون وإن أراد بهم الضرر؛ لأن إرادته غير موجبة وقوعه بهم، وإنما هم الضارون لأنفسهم، كما أن إرادته لنفعهم ليست موجبة لنفعهم وإنما هم ينفعون أنفسهم؛ فلا فرق بين أن خلقهم وأراد الضرر لهم وبين أن خلقهم وأراد النفع لهم؛ إذ لا تأثير لإرادة الضرر في الإضرار ولا لإرادة النفع في النفع، وكيف يكون محسنا إليهم بإرادته لنفعهم، وهي غير مؤثرة في وجوب وجود الفعل ?!
ولم يكن خلقه إياهم - مع العلم بأنهم يهلكون دون الوصول إلى ما يعرضهم لنيله - إساءة إليهم ولا سوء نظر لهم؛ فيجب أن يكون ما طالبكم به الدهرية - من وجوب كونه مسيئا للنظر بخلق من هذا هو المعلوم من حاله - لازما.