
مذهب أهل الحق: أن القديم سبحانه خلق العالم بعد أن لم يكن خالقا له لا لعلة وغرض ولا لداع وباعث وخاطر يعتريه ؛ لأن العلل والأغراض مقصورة على اجتلاب المنافع ودفع المضار، وذلك مستحيل في صفته.
وكذلك لا يجوز أن يقال: (خلقه لنفع غيره، على معنى: أن ذلك يحمله على الخلق ويدعوه إليه، بل يقال: (خلق من نفعه بخلقه، وخلق من ضره بخلقه وتكليفه، وقد خلق كثيرا من الحيوانات والجمادات لا لمنفعة ولا لمضرة ، لا لأنفسها ولا لغيرها.
وقد قدمنا الدلالة على قدم إرادته سبحانه؛ فلا يجوز أن تكون إرادته بخلق العالم علة لخلقه، كما لا يجوز أن تكون ذاته علة لوجود العالم؛ لأن من حكم العلة: أن لا تتقدم على المعلول، وقد قام الدليل على حدث العالم.
ثم العلة إنما تكون علة للحكم، ولا يجوز أن تكون علة للذات، والعالم ذوات، ولا يجوز أن يكون معللا بذات، ولو كانت الذوات في كونها ذوات معللة وكانت عللها ذوات، لأفضى إلى التسلسل أو الانتهاء إلى علة قديمة؛ فيلزم منها قدم العالم، وقد دللنا على حدوثه.
وليس قول من قال: إن القديم أوجب العالم أو أوجده بواسطتين، أولى من قول من يقول: «بل أوجبهما أو أوجدهما بوسائط بعضها مادة للبعض ، أو بلا واسطة.
ولو كان وجوده موجبا لوجود العالم، لوجب أن يكون العالم جنسا مثله