
قال: وإذا كان الله تعالى يعذبهم بما خولهم به؛ فكيف يكون إنعاما حقيقيا ?! بل هو في صورة الإنعام، وكذلك إذا كان يطيل مدتهم ليزدادوا إثما؛ فلا تكون إطالة العمر نعمة على الحقيقة.
قلت: وشبهوا ذلك بمن قدم إلى غيره حلاوة مسمومة، فإنه يتلذذ بها في الحال ثم يهلك في ذلك؛ فلا يقال: إنه أنعم عليه بها؛ قال الله تعالى: (نمتعهم قليلا ثم نضطتهم إلى عذاب غليظ) . ومن قال بأنه سبحانه بإنظار إبليس وإجابة دعوته ، حيث قال : (إنك من المنظرين) [الأعراف: 15] ، كان منعما عليه - فقد جحد ما لا يجحد.
ولاخلاف بين أصحابنا: أنه ليس لله تعالى على الكفار نعمة دينية، وإن كان قد أرسل الرسل وأنزل الكتب وأزاح العلل على الجملة، فمن تنبه لما نبهه عليه صار ذلك في حقه نعمة دينية، ومن أعرض واستكبر صار ذلك فتنة وإلزاما للحجة؛ قال الله تعالى: (وما يعقلها إلا العالمون)، وقال تعالى: (قل هو للذين امنوا هدى وشفا..) إلى قوله تعالى: (وهو عليهم عمى)].
ومذهب المعتزلة: أن الله تعالى أنعم على الكفار في الدين كما أنعم على المؤمنين، وأنه هداهم كما هدى المؤمنين، وأمدهم بالألطاف المقدورة الممكنة، غير أنهم أساءوا إلى أنفسهم وبخسوا حقوقهم، وإنما أوتوا من قبل أنفسهم؛ حيث لم يقبلوا مواعظ الرسل وتصامموا عنها.
قالوا: والدليل على أن الذي خولهم الله تعالى ومتعهم به من الملاذ نعم من الله تعالى: أنه أمرهم بالشكر عليها وتوعدهم بالعذاب على تركه، ونصوص القرآن دالة على ذلك، فقال تعالى لعاد وثمود على لسان هود وصالح: