
فإن قيل: يلزمكم على قود هذا الإطلاق أن تقولوا: «المغصوب رزق الغاصب، ثم يلزم أن لا يمنع من رزقه الذي رزقه الله تعالى ولا يذم عليه.
قلنا: التحريم إنما يتناول الأكساب الموصلة إلى الغصب والسرق، دون الرزق الذي هو الانتفاع، والمنتفع به لا يطلق عليه التحريم، وهذا كما أن التحريم في الزنا لا في ولد الزنا، وإن كان لا يتوصل إلى الولد إلا بالزنا. ويطلق لفظ «الحلال» و«الحرام» على الرزق على معنى : أن التسبب إليه حرام أو حلال. فأما ما ذكروه من أن المرزوق لا يمنع من رزقه، فغير مسلم، بل قد يكون ممنوعا.
وظاهر تشغيبهم يعارضه قولهم: إن القدرة على الإيمان قدرة على الكفر؛ فالكافر إذا معان من قبل الله تعالى على كفره ومعاصيه، فإن لم يبعد أن يكون المعاقب على الكفر معانا عليه لم يبعد ما ذكرناه.
ثم الذي التزموه يجر إلى شناعة لا يبوء بها ذو دين؛ وذلك أن من اغتذى بالحرام طول عمره، وانصرفت انتفاعاته إلى الجهات المحذورة من كل وجه؛ فيلزم أن يقال: لم يدر عليه من الله تعالى رزق، وما رزقه الله تعالى قط، وذلك عظيمة في الدين لا ينتحلها متدين.
ثم اسم «الرزق يقع على ما ينتفع به إذا تقدر الانتفاع، فهذا مقتضى الإطلاق، ومن اتسع ملكه ثم لا ينتفع به يقال: لم يجعل الله تعالى ما خوله رزقا له، ويبعد صرف الرزق إلى محض الانتفاع في إطلاق اللسان؛ فآل الكلام إلى أن الرزق: هو المنتفع به، وإن سمي الانتفاع رزقا فالمراد به المنتفع به؛ إذ لو جعلنا نفس الانتفاع رزقا فقط ، لأخرجنا الأطعمة والأشربة والأقوات عن كونها أرزاقا، وذلك خروج عن موجب اللسان.