
265 الجامع بين البابين أن يوضح في المتنازع فيه مثل دلالة المتفق عليه؛ لتكون الدلالة قاطعة، ولا معتبر بالقياس الظني في القطعيات ولا معتصم فيه.
فإن قالوا: القسم المتنازع فيه ورد الشرع بتقبيحه وتحريمه والذم لمتعاطيه، فإذا صدر من الرسول ما هو سبيله كان مساويا لغيره في مقتضاه، وذلك مؤذن بانحطاط منزلته وسقوط قدره.
وهذا الذي قالوه إنما يلزم لو جوزنا مواظبتهم عليه، أو لم يرد الشرع باختصاصهم بأمر دون الأمة، فإذا جاز أن يرخص الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، في بعض هذه الأمور ، كان الذم واللوم مرفوعا منه.
فإن قيل : كيف يظن بالرسول صلى الله عليه وسلم آقصد إلى مخالفة الله تعالى ?!
قلنا : نحن لا نجوز أيضا من المؤمن القصد إلى مخالفة الله تعالى ، مع العلم بأنها مخالفة له، فضلا عن الأنبياء، وإن جوزنا منه التعمد إلى المعصية. وإنما جوزنا: على سبيل التأويل الخطأ؛ لغلبة شهوة وغفلة غامرة حتى يصير كالجاهل بمغبته، أو مع الخوف والوجل، أو عن خطأ في الاجتهاد؛ قال الله تعالى : (يعملوب ألسوء بجهالة)، أي: يعملون مثل الجهال ؛ لما غلب عليهم من سوء النظر لأنفسهم.
وقد ذكرنا: أنا وإن جوزنا منهم الاقتحام في الذنوب، فلسنا نقطع على أحد منهم بأنه أصاب شيئا منها في حال النبوة، بل الأشبه بحالهم العصمة والنزاهة، ويحمل ما ورد منها في الكتاب والآثار على ما قبل النبوة أو على ترك الأولى.