 رغيف، ثم أراد ذلك العبد أن يطوف البلاد، ويثني على الملك بحبائه وحسن عطائه، فلا يعد ذلك مستحسنا؛ فإن ما صدر من الملك بالإضافة إلى قدره نزر مستحقر تافه مستصغر، وجملة النعم بالإضافة إلى قدرة الله تعالى أقل وأذل من كسرة من رغيف بالإضافة إلى ملك ملك.
فثبت بهذه الجملة: أنه إذا خطر له ما ادعوه من الخواطر، فإنه لا يقطع بالعقاب لو كفر، واستحقاق الثواب لو شكر، ومن لا يقطع بمكروه يناله، وهو في حاله في رغد من عيشه ودعة من لذاته؛ فلا يقضي العقل بإيثار المتاعب واقتحام المناصب والإضراب عن اللذات الناجزة، ولكن قد يحتاط اللبيب وينظر في العواقب، وأحسن أحواله التوقف في الأمر إلى أن يتبين له ما هو أصوب.
فإن قالوا: إذا تصدى للمسافر طريقان : (223اف) أحدهما يشتمل على مخاوف، والأخرى عرية عنها؛ فالعقل يقضي بسلوك العري عن المخاوف.
) قلنا: إن سلم لكم، فإنما يسلم إذا استوت الأغراض ولم يترجح أحد السبيلين على الآخر ، فقد يقضي العقل على زعمكم بما ذكرتموه، فأما إذا عن للعاقل في سلوك الطريق المخوف أغراض بقصد أمثاله، ولم يستيقن الخوف في ذلك الطريق - فقد يتحتم عليه سلوكه في موجب العقل.
ونظير ذلك: أن يتصدى للإنسان بر وبحر، وهو يرقب في ركوب البحر أرباحا كثيرة، ولكن البحر لا تخفى مخاوفه؛ فللعاقل في مستقر العادة أن يركب البحر . وهذا نظير مسألتنا ؛ فإن العاقل لو التزم الشكر لناله من المتاعب