 من قال: الرشد: الحجة والحكمة، ومنهم من فسر الرشد بالنبوة، غير أنه يقول: (من قبل) يعني: من قبل موسى وهارون.
فإن قيل: أتقولون: إن الأنبياء أنبياء في قبورهم وبعد وفاتهم، أم تقولون: النبوة تبطل بالموت?
قلنا: قد أوضحنا: أن النبوة لا ترجع إلى جسم النبي، ولا إلى صفة من صفاته أو عرض من أعراضه؛ فيقال: إنها تبطل بفناء العرض. وبينا: أنها راجعة إلى حكم الله تعالى وقوله، وذلك باق، فما لم يرد التوقيف ببطلانه فلا يحكم به، ولو كان يبطل بالموت لوجب أن يبطل بالنوم والغشية. وهكذا قولنا في حكم الإيمان، فإنه لا يزول بهذه الأمور.
فإن قيل : أليس السهو والغفلة مما يضاد المعرفة والتصديق.
قلنا: أجل، ولكن الشرع حكم ببقاء حكمهما إلى أن يقصد صاحبهما إلى الإبطال، فإذا اكتسب ما ينافيه قضى الشرع حينئذ بارتفاع الحكم، والمعني ببقاء الحكم وارتفاعه: ورود الشرع بإجراء الأحكام على صاحبه وعدم إجرائه عليه، كما قلنا في بقاء حكم الزوجية والبيع وسائر العقود، والأجرام مع القول باستحالة بقاء الأعراض .
ثم هذا السؤال ينعكس على من قال: «الإيمان: هو القول؛ فإن القول والسكوت لا يجتمعان؛ ولذلك النائم والميت لا يكونان قائلين، ومع ذلك الحكم باق.