 24 إلا تعلق الأمر الجازم بالشيء، ولمالك الأعيان أن يعين لعبده واحدا من الأمثال ويوجبه عليه، ويعين واحدا فينهاه عنه.
فإذا اضطررنا المعتزلة إلى أن الواجب هو المأمور به، والأمر عندهم حادث؛ فما لم يثبت لا يقضي بوجوب المأمور به.
ومذهب الدهماء من المعتزلة: أن شكر المنعم يدرك وجوبه بضرورة العقل، وهذا بين من أصلهم، مع قطعهم بأن ترك الشكر قبيح على الضرورة.
قالوا: إذا علمنا ضرورة وجوب الشكر، فمن وافقنا في ذلك فقد أغنانا عن ضرب الأمثال، ومن أبدى مراء ضربنا له الأمثال؛ فإن من جحد الضرورة لا تقام عليه الأدلة، بل تضرب له الأمثال.
ثم افتتحوا طريقتهم المشهورة، وقالوا: العاقل إذا علم أن له ربا، وجوز في ابتداء نظره أن يريد منه الرب المنعم شكرا، فلو شكره لأثابه وأكرم مثواه، ولو كفر لعاقبه وأرداه، فإذا خطر له الخاطران وتساوى عنده الجائزان، فالعقل يرشده إلى إيثار ما يؤدي به إلى الأمن من العقاب وارتقاب الثواب.
وضربوا لذلك مثالا، وقالوا: من تصدى له في سفرته مسلكان، يؤدي كل واحد منهما إلى مطلبه، وأحدهما خلي عن المخاوف عري عن المتالف، والثاني يشتمل على المعاطب وضواري السباع، ولا غرض له في السبيل المخوف؛ فالعقل يقضي بسلوك السبيل المأمون.
وسبيل الجواب عما قالوه من أوجه:
أحدها: أن نقول: ما قولكم فيمن لم تخطر له هذه الخواطر؛ فكيف يتوصل إلى درك وجوب الشكر، وهذه حاله?