
والأمر بما نهي عنه ليس مما يستحيل لنفسه؛ فإن تصويره ممكن لا استحالة فيه، فإذا لم يستحل لنفسه امتنع صرف استحالته إلى غيره؛ إذ ليس في تجويزه خروج صفة من صفات الإلهية عن حقيقتها، ولا خروج صفة من صفات الخلق عن حقيقتها ؛ فإن الحكم ليس بصفة نفسية للفعل كما قدمناه. وليس في تقدير النسخ ما يفضي إلى تغيير العلم والإرادة. ولا نزال نطرد السبر؛ حتى يستبين: أن النسخ لا يستحيل لنفسه، ولا يفضي إلى استحالة في غيره.
فإن قالوا: بم تنكرون على من يزعم أنه يستحيل؛ لإفضائه إلى اتصاف الباري سبحانه بالبداء، وهو متقدس عنه ?
قلنا : البداء يعبر به عن استفادة علم لم يكن، فمن أحاط بما لم يكن محيطا به يقال: «بدا له، وقد يعبر به عمن يهم بأمر ثم يندم على ما تقدم، ولا يتقرر شيء من ذلك في النسخ؛ فإن علم الباري سبحانه متعلق بالمعلومات على ما هي عليها، ولا يتجدد له علم لم يكن، والإرادة على أصولنا لا يعتبر بها الأمر ؛ فإن الرب سبحانه قد يأمر بما لا يريده ويريد ما لا يأمر به؛ فلم يبق لادعاء البداء وجة.
فإن قال قائل : ما أوجبه الله تعالى فقد أخبر عن كونه واجبا، فلو حظره وأخبر عن كونه محظورا، لانقلب الخبر الأول خلفا واقعا على خلاف مخبره، وذلك مستحيل.
والذي ذكره هذا القائل لا حاصل له؛ وذلك أن الوجوب ليس بصفة للواجب على أصلنا، والمعني بكون الشيء واجبا: أنه الذي قيل فيه: «افعل؛ () في الأصل : أحظر . والتصحيح من الإرشاد للجويني ص 342.