 قد أوضحنا الطرق الموصلة إلى كون الباري سبحانه عالما مريدا، وقدمنا ما فيه مقنع في إثبات كلام النفس، والعالم بالشيء المريد له لا يمتنع أن يقوم به إخبار عن المعلوم المراد على حسب تعلق العلم والإرادة به، وكل معنى يقبله موجود فإنه لا يعرى عنه وعن ضده إن كان له ضد، كما قدمناه في صدر الكتاب .
ولو لم يتصف الباري سبحانه بخبر صدق لوجب اتصافه بضده، وإذا اتصف بضده استحال أن يقدر ذلك الضد ذهولا وغفلة عما قدرناه مخبرا عنه؛ فإن الذهول كما يضاد الخبر عن الشىء فإنه يضاد أيضا العلم به وإرادته، وإن كان ضد الخبر الصدق خبرا هو خلف وكذب واقع على خلاف المخبر ؛ فيجب مع تقدير ذلك الوصف تقدمه والقضاء باستحالة عدمه؛ - وذلك محال - لما قدمناه من إثبات قدم الكلام.
ثم يئول منتهى ذلك إلى أنه يستحيل من الباري تعالى أن يخبر عما علمه على حسب تعلق العلم به، وذلك معلوم بطلانه؛ فإنا نعلم قطعا أن العالم بالشيء، يستحيل أن يتصف مع علمه به بصفة يستحيل عليه معها كلام نفسه، المتعلق بمعلومه على حسب تعلق العلم به؛ حتى يقال: يستحيل مع العلم به إخبار النفس عنه . وإذا امتنع ادعاء هذه الاستحالة شاهدا، وانتسب جاحد