
وبيان ذلك: أنا باضطرار نعلم أنه ليس في القوى البشرية والفكر الحكمية: إحياء العظام بعدما رمت، وإبراء الأكمه والأبرص، وقلب العصا حية تتلقف ما يأفك السحرة من الأثقال العظيمة . ومن جوز التوصل إلى مثل ذلك بالحكم ودرك الخواص، فقد خرج عن حيز العقلاء؛ فينبغي أن لا يبعد أن يكون في طرف من أطراف الأرض صقع تنبت فيه الحيوانات وتنمو نمو النبات، حتى إذا تتام النبات عقلت الحيوانات وجاءت بالحكم والآيات، إلى غير ذلك من الجهالات.
ثم إذا تحدى نبي بشيء قدرناه خارقا، فلو لم يكن خارقا لاشرأبت النفوس إلى معارضته وانصرفت الدواعي إلى فضحه وحطه عن دعواه، فإذا ذاعت الدعوى، وشاعت آيتها والتحدي بها، وعجز الخلائق عن الإتيان بمثلها - استبان بذلك أنه من الخوارق.
فإن قال قائل: هل يجوز أن يزسل الله تعالى رسلا تثرى في أوقات متقاربة، وآية كل نبي ممائلة لمن قبله من الأنبياء؛ فتتمائل الآيات وتتوالى بعثة الرسل، وقد علمتم أن الآيات إذا تكررت على قرب الزمان صارت معتادة، ولو منعتم توالي الرسل انتسبتم إلى تعجيز الإله سبحانه عن نصب الأدلة على صدق المرسلين?
قلنا: قال القاضي : لا يجوز تقدير رسل يكثر عددهم في زمن متقارب، وآية جميعهم من ضرب واحد، كالمشي على الماء والرقي في الهواء ونحو ذلك؛ إذ من أوصاف المعجزة: أن يكون لها اختصاص بالصادق، وإنما يتحقق الاختصاص بالنوادر من الأفعال دون المعتاد.