 فثبت أنه: لا طريق للرسول إلى العلم بإرسال الله تعالى إياه.
قلنا : هذا باطل؛ فإن له سبيلا إلى ذلك ؛ بأن يضطره الله تعالى إلى العلم بأن الذي كلمه ربه تعالى، وإلى العلم بمراده بالخطاب الذي يسمعه، كما يضطرنا إلى العلم بمقاصد المخاطبين في اليقظة والمنام.
وقد يعلم ذلك أيضا بما يراه من الآيات الدالة عليه؛ فإنه إذا أسمعه كلامه من غير واسطة، فقد يقرن بخطابه له من عظيم الآيات التي قد تقدم علم الرسول بأن أحدا من الخلائق لا يقدر عليها، ويقول له: إن ربك المخاطب لك، وآية ذلك: أني أقلب الجماد حيوانا، وأخرج يدا بيضاء من غير سوء، وأخرج ناقة من صخرة صماء، وأسير الجبل وأنطقه بالتسبيح، وأنطق العجماء، وأسير الشجرة ونحو ذلك، أو يخبره بما في ضميره مما لا يطلع عليه أحد ويكرر ذلك عليه، ويخبره بأسراره وهواجس نفسه.
وتبلغ الأخبار بذلك مبلغا لا يصح الوفاق في إصابتها، من مخمن وحادس وراجم بالغيب، أو يسمعه كلاما لا يشبه كلام البشر؛ فيعلم إذ ذاك أن الذي يخاطبه ربه تعالى.
فإن قالوا: إذا ادعيتم أن الأحكام التي منها الوجوب والحظر تتلقى من قول الرسول، ومن جملة الواجبات: النظر الموصل إلى العلم بكونه نبيا؛ فيلزمكم أحد أمرين: إما الحكم بتوجه واجب على العاقل من غير أن يشعر به، وإما القول بأنه يعلم وجوبه بنفس قوله، وهذا يؤدي إلى إثبات الشيء