 الأحكام، والعقول لا تدركهما، ولئن تشوفت العقول إلى كليات المصالح، فلا تقف على تفاصيلها، بل الشرائع توضحها.
ثم نقول: لم قلتم: إن ما جاء به الرسول إذا لم يكن مدلول العقول كان باطلا ? وبم تنكرون على من يقول: إن ذلك يجري مجرى ما لو تقدم عليل إلى طبيب يسائله عما يصلح له، فهو على الجملة يعلم أن المبتغى ما يشفيه، ولكن لا يتعين له ما فيه شفاؤه، والطبيب ينص على ما يشفيه؛ فكذلك المبعوث إليهم لا يتعين لهم قبل البعثة ما يصلحهم، مما يبعث الرسول به، فإذا أرسل نص على المراشد وأوضح مناهج المقاصد ?
وأيضا: فإن العقول لا تهتدي إلى الأغذية وما ينفع منها وما يضر؛ فما المانع من أن يرسل الله تعالى الرسل؛ لتبيين الأغذية وتمييزها عن السموم? والتجارب إنما يقع به التمييز بعد الضرر العظيم وبعد إفضائه إلى المعاطب، ولو ثبت الإرشاد أولا لما مست الحاجة إلى معاطاة السموم وتمييزها عما عداها(2).
* ومن شبههم: أن قالوا : الفينا الشرائع عندكم مشتملة على أمور مستقبحة عقلا ، مع العلم بأن الحكيم لا يأمر بالفواحش ولا يتدب إلى القبائح، وقد ثبت: أنه سبحانه غني عن إيلام العباد وتكليفهم المشاق، من الصيام في شهر رمضان، شهر مخصوص من ألسنة، وقطع المهامه والتعرض للمهالك. وقد انطوت شريعة الأنبياء على ذلك، ومن ذلك : الرمل