
109
فمن ذلك: أن قالوا: ما يذكره الرسول المبعوث ويأتي به لا يخلو: إما أن يكون مستدركا بقضية العقول، أو لا يكون مستدركا بها، فإن كان ما جاء به مما توصل العقول إليه فلا فائدة في ابتعاثه، وما يخلو عن غرض صحيح عبت وسفه، وإن كان الذي جاء به مما لا تدل عليه العقول فلا يتلقى بالقبول ، وإنما المقبول مدلول العقول.
قالوا: والذي تنطوي عليه الشريعة ينقسم إلى: ما لا يفيد ولا يعقل وجهه، وإلى غير ذلك.
وشبهة البراهمة مبنية على تحسين العقول وتقبيحها، وإنما يستمر ذلك على مذهب المعتزلة، فلو نازعناهم في ذلك انحسم عليهم الكلام، وإن سلمنا لهم ذلك جدلا ؛ فنقول: لا يمتنع تأكيد أدلة العقول بما جاء به الرسول، وهذا بمثابة قيام أدلة عقلية على مدلول واحد، وإن وقع الاكتفاء بدلالة واحدة فلا يجعل ما عداها عبثا .
وأيضا: فإن من الأمور العقلية: ما لا يتنبه لها معظم الناس، فما المانع من تجويز بعثة الرسل للتنبيه على ما يدق من قضايا العقول ? وفي ذلك أعظم وجه في بغية الصلاح.
ونقول أيضا : لا يمتنع أن يقع في معلوم الله تعالى أن الرسول إذا ابتعث كان ابتعائه لطفا في الأحكام العقلية، وينتدب لها العقلاء عند إرساله، فإذا لم يمتنع ما قلناه بطل ادعاؤهم خلو الابتعاث عن غرض.
ثم نقول: بم تنكرون على من يقول: إن الرسل جاءوا بما لا تنكره العقول ولا تهتدي إليها ? فإن مناط الشريعة: الوعد والوعيد، وبهما تتعلق