 بالتعدد فيها، فسبيل إثبات التعدد: إما بإثبات تحقق التغاير بينهما أو بتقدير التغاير؛ إذ الشيء لا يغاير نفسه، فمهما أمكن مفارقة أحدهما الآخر - إما بزمان أو بمكان أو بعدم - تحقق التغاير.
وقد يثبت تعددهما بالجدوى والفائدة إن وجب تلازمهما، وقد يستدل على التعدد باختلاف العبارة عنهما أو الدلالة عليهما؛ فإن الصيغة التي نصبت علما دالا على الخبر الذي في النفس، غير الصيغة التي وضعت دالة على الأمر الذي في النفس.
والدليل على إثبات كلام النفس: أن الأمر: اقتضاء الطاعة من المأمور، [والعاقل يجد في نفسه اقتضاء الطاعة من المأمور]، وإن تصرم صوته وانقضت عبارته وحروفه، إذا كان مصمما على اقتضائه ودعائه، واقتضاء الطاعة أمر ودعاء إلى الفعل، والأمر كلام.
ومن انكر وجدان هذا الاقتضاء في النفس، كان جاحدا للضرورة وبمثابة من أنكر وجدان العلم والإرادة. وربما لا يكون المأمور حاضرا، وهو يريد في نفسه اقتضاء الطاعة منه، ويقدر في نفسه توجيه الخطاب عليه وإفهامه معنى الإيجاب إذا حضر، إما بعبارة أو كتابة أو رمز أو إشارة، على حسب ما وقع الاصطلاح بينهما في التفاهم. ثم هو يفرق بين ما يجده في نفسه من الإيجاب والطلب، وبين تزويره وتقديره الدلالة عليه وإفهامه إياه بضرب من الدلالات.