
فإن قالوا: بم تنكرون على من يقول: إن الذي يجده في النفس هي إرادة الطاعة من المأمور، فتوهمتموها كلاما، أو هو اعتقاد طاعة، فظنه كلاما؟
قلنا: أما وجدان النفس الأمر والاقتضاء فلا خفاء به، وما ادعييم من: «الذي يجده إرادة الامتثال» فباطل من أوجه، منها: أنه قد يأمر بما لا يريد كونه؛ لغرض له، وربما أخبره الصادق بأنك لو أمرت عبدك أو ولدك خمس خصال، فإنه يتكاسل فيها ولا ينشط لامتثالها، ولو أمرته بعشر خصال ثم خففت عنه خمسا، فإنه يبادر إلى طاعتك، فإذا أمره - والحالة هذه - بعشر خصال ، فلا شك أنه لا يريد امتثال جميعها.
وهذا المثال الذي ذكرناه فيه إشارة إلى ما جرى ليلة المعراج مع نبينا لله عليه ولم، من الأمر بخمسين صلاة، مع القطع بأنه لم يرد منها إلا الخمس.
وكذلك لو رفع إلى سلطان البلد: أن فلانا يجاوز الحد في تأديب غلمانه، ويبرح بهم ضربا من غير جناية تصدر منهم، فاستحضره وعاتبه عليه، فيقول معتذرا أو متعللا : إنما أؤذيهم؛ لأنهم يعصونني ويخالفونني في أوامري، فيتهمه السلطان ولا يصدقه في عذره، فرام تحقيق مقاله ودفع الظنة عن أحواله، فقال: «أنا أخضرهم وأوجه عليهم أمرا بمرأى من الملك ومسمع، فإن هم خالفوني وعصوا أمري استبان للملك صدقي، فإذا استحضرهم وأمرهم أو نهاهم؛ فلا شك أنه يريد منهم - والحالة هذه - أن يخالفوه ولا يطيعوه؛ تمهيدا لعذره.
فإن قال الخصم: ما يصدر منه - والحالة هذه - ليس بأمر على الحقيقة.