
قالوا: وهذا الوجدان لا يتوقف على ورود الشرع وعدم وروده؛ فعلمنا بهذا تميز القبيح عن الحسن.
وهذا من أحسن ما يوردونه في هذا الباب.
وهو تمويهآ وتلبيس، والجواب عنه: أن نقول: بم تنكرون على من يقول: ليس الذي تشيرون إليه حكم العقل، وإنما هو حكم العرف واستحباب النفس وميلها، وليس ذلك محل النزاع، والذي فيه النزاع: هو الحسن والقبح في حكم التكليف، وذلك مفقود فيما نحن فيه.
والذي أشاروا إليه أخلاق جبلية، فطر الله تعالى العباد عليها، وتوهموا أنها أحكام العقل، وهيهات؛ فإن صفوة العقل لا تميز بينهما، بل هي عادات مستمرة صادرة عن الضر والنفع.
وإنما تعتري هذه الأخلاق ذوي الأغراض، والقديم سبحانه متعال عن الأغراض وعن التحنن والرقة والميل والتلظي والتشفي، ولو قدر تساوي الأفعال في حق واحد منا، فلا يتصور في حقه حسن ولا قبيح على الوجه الذي يقدرونه، ولا سبيل لهم إلى التمييز بينهما.
والرب سبحانه يخلد الكفرة في النار بفعل يسير صدر منهم موافق لقضائه وقدره، ثم لا يرحمهم، فكيف يستقيم إذا تشبيه أفعال ذوي الأغراض بأفعال من يتقدس عن الأغراض ?! قال الله تعالى: (فلا تضر بوا لله الأمثال) النحل: ]، وقال ( للذين لا يؤمنون بالأخرة مثل السق ولله المثل الأعلى) [النحل: 60]؛ فثبت أن الذي أشاروا إليه من وجدان النفس إنما هو نتائج الأغراض.
وما قالوه من : «أن العاقل يستقبح أمرا من العاقل، ولا يستقبح مثله ممن (1) من الممكن أن تقرأ: استخباث.