 ليس بعاقل - فذلك أيضا مما ينبني على الغرض ورقة القلب وميله؛ والذي يحقق ذلك: أن العاقل كما يجد في نفسه نفورا (219اف) وكراهية عن القتل الصادر العمد من العاقل البالغ اعتداء، فيظنه تقبيحا عقليا - يجد مثل تلك الحالة إذا صدر ذلك من المراهق المميز، وإن كان الشرع يفرق بينهما، وكذلك يجد في نفسه هذه الحالة من كراهية النفس ونفورها عند إيلام البهائم والطيور وذبحها، وإن كان الشرع يحسن ذلك؛ فهذا وجه تحرير الدلالة.
ومما يعضد هذه الدلالة ويستقل بنفسه دليلا : أن نقول: زعمتم أن الكذب قبيح لنفسه، وادعيتم أن المقتضي لكونه قبيحا كونه كذبا؛ فنقول: أتقضون بقبح كل كذب أم لا ?
فإن زعموا: أن منه ما لا يقبح، يقال لهم: إن كان في قبيل الكذب ما لا يقبح، ويحسن؛ فينبغي أن تجوزوا من الله تعالى أن يخلق لنفسه كذبا تقدرون حسن مثله منا، وهذا ما لا يصير إليه أحد منهم.
وإن زعموا: أن الكذب قبيح أبدا، فيقال لهم: مستروحكم فيما تنفون وتثبتون عادات العقلاء واستقباحهم، وقد علمنا: أن الكذب قد يتعين في بعض الأحوال في حكم العقول؛ فإن واحدا من الظلمة لو قصد نبيا وهم بقتله، وهرب النبي واختفى في بيت إنسان، فجال الظالم في طلبه واستخبر صاحب الدار عنه، وعلم صاحب الدار أنه لو صدق في خبره كان ساعيا في هلاكه، وكذلك لو سكت أو عرض؛ فيتعين عليه الكذب، والعقلاء يستجيزون ذلك.
ومما يوضح غرضنا: أنكم تقسمون الضرر إلى ما يقبح وإلى ما يحسن، فما الذي يمنع من تقسيم الكذب إلى ما يقبح وإلى ما يحسن، ومن حكم منهم بحسن مثل هذا الكذب؛ لزمه تجويز مثله من فعل الله تعالى.
فهذاجملة الكلام في هذه المسألة، وهو على إيجازه مقنع، والله ولي التوفيق.