 بآخر، وأنتم تدعون أن الكذب الذي لا نفع فيه قبيح، وقد بينا: أنه غير قبيح في معتقدنا مع التقدير الذي ذكرناه، وهذا منع ظاهر.
على أنا قد بينا : أن حقيقة مذهبهم في قبح الكذب وغيره مما يقبحونه، وأنه على صفة هو في نفسه عليها، وتلك الصفة محاط بها عقلا، وهي منفية عندنا في وقتنا؛ فالذي أثبتوه نحن مصممون على نفيه، ومعنى قبحه عندنا ورود النهي عنه؛ فالقبيح: هو المقول فيه: لا تفعلوه، وأنتم لا تكتفون بهذا القدر؛ فقد وضح الحق.
* فإن قالوا : إن العقلاء يحسنون ويقبحون مع جحد الشرائع، كالبراهمة ومن نحا نحوهم، فما قولكم فيهم ? وهم الجم الغفير، ويعلمون قبح الظلم والكذب والكفران وحسن الشكر والإحسان.
قلنا: إذا صددناكم عن التمسك بإجماع العقلاء قاطبة لو أجمعوا كما زعمئم، فما يغنيكم بعد ذلك التمسك باتفاق شرذمة ضالة عن الرشاد?!
ثم نقول: أول ما في هذا: أنه احتجاج في موضع الضرورة على دعواهم؛ فكيف يستمر النظر في مواقع البدائه ?! ثم من يسلم لكم كون البراهمة المنكرين للشرائع عالمين بالحسن والقبح? وهذا مما تتازعون فيه، ولا بعد في تصميم طوائف على اعتقاد مع حسبانهم إياه علما وإن لم يكن علما، وهذا سبيل المقلدين في أصول الدين.
والذي يقرر ما قلناه : أن البراهمة كما وافقوا المعتزلة في التحسين والتقبيح، فكذلك اعتقدوا قبح ذبح البهائم والتسليط على إيلامها وتعريضها للنصب والتعب، ثم اعتقادهم في ذلك ليس بعلم وإنما هو جهل، فكما لا يبعد تصميمهم على جهل، فكذلك لا يبعد إصرارهم على اعتقاد ليس بعلم.